.:: إعلانات الموقع ::.

قال الله تعالى: { مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ } سورة ق الآية 18

الإهداءات

العودة   منتديات أفـــاق دبـــي الثقافيـــة > كليةالشريعة College of Sharia > قسم الماجستيرSection Masters
« آخـــر الـــمـــشـــاركــــات »
         :: 80 درس لتعلم اللغه الانجليزيه من البدايه حتى الاحتراف (متجدد) (آخر رد :حنين راشد)       :: تحميل برنامج فرينج للمكالمات المجانية Fring Download (آخر رد :حنين راشد)       :: الشيخ ابوبراءحل مشاكل الزوجية 00905359517574 (آخر رد :سميرةالحمد)       :: ما هي تكاليف رحلة سياحية الي تركيا ؟ (آخر رد :صفا علي)       :: محشة البرسيم وحصادة القمح والذرة والبلوبانك والقصب والحشائش .. موتور رباعى الشوط (آخر رد :hoangkien207)       :: أقوى عروض الرسائل في السعوديه (آخر رد :صالح نواف)       :: For sale apple iphone 6 / 6 plus (آخر رد :qC2pV5wF5w)       :: الشيخ الروحانى 00491787157771 لجلب الحبيب http://www.myemairat.com الشيخ الروحانى 00 (آخر رد :wE8cT5rQ1a)       :: الشيخ الروحانى 00491787157771 لجلب الحبيب http://www.myemairat.com الشيخ الروحانى 00 (آخر رد :qC2pV5wF5w)       :: الهجرة الى الاخلاق الحسنة (آخر رد :محمود رضوان)      

« آخـــر الآخــــــبـار »

إضافة رد
 
أدوات الموضوع تقييم الموضوع انواع عرض الموضوع
(#1)
قديم
OM_SULTAN
المشرف العام
 
القواعد الفقهية الأساسية للشريعة الإسلامية - 09-24-2012, 02:37 PM

بسم الله الرحمان الرحيم

القواعد الفقهية الأساسية للشريعة الإسلامية

تنقسم القواعد الشرعية الى أقسام متعددة ، فهي أعم من أن تنحصر في نوع معين من القواعد ، كالقواعد الأصولية أو الفقهية ، بل تتضمن كذلك القواعد العقائدية والقواعد الأخلاقية وغيرها مما يدخل تحت مسمى القواعد الشرعية. قال القرافي رحمه الله: ” القواعد ليست مستوعبة في أصول الفقه بل للشريعة قواعد كثيرة جدا عند أئمة الفتوى والقضاء لاتوجد في كتب أصول الفقه أصلا ” الفروق 2 /110. ونتناول هنا القواعد الفقهية الأساسية للشريعة الإسلامية:

- القواعد الفقهية الأساسية للشريعة الإسلامية:
إن بعض القواعد الفقهية أعم من بعضها الآخر ، وإن قسماً منها يدخل تحت قاعدة أخرى ، ولذلك تقسم القواعد إلى صنفين قواعد أصلية ، وقواعد فرعية تنضوي تحت القواعد الأصلية. والقواعد الأصلية قسمان :
الأول : قواعد أساسية بالنسبة إلى غيرها لعمومها وشمولها وأهميتها: وحاول بعض الفقهاء إرجاع جميع الفروع إليها ، وتبناها جميع الفقهاء في مختلف المذاهب ووضعوها في كتبهم المذهبية ، وهي :
1 - الأمور بمقاصدها.
2 - اليقين لا يزول بالشك.
3 - المشقة تجلب التيسير.
4 - الضرر يزال.
5 - العادة محكمة.
والقسم الثاني : قواعد أصلية كلية تأتي في الدرجة الثانية بعد الخمس الأولى. ونتناول هنا القواعد الفقهية الأساسية ،

- القاعدة الأساسية الأولى الأمور بمقاصدها:

الألفاظ الأخرى:

1- الأعمال بالنيات.
2- العبرة بالقصد والمعنى لا اللفظ والمبنى.
3- لا ثواب إلا بنية.
4- كل ما كان له أصل فلا ينتقل عن أصله بمجرد النية.
5- الأيمان مبنية على الألفاظ والمقاصد.
6- مقاصد اللفظ على نية اللافظ.
7- إدارة الأمور في الأحكام على قصدها.
8- المقاصد والاعتقادات معتبرة في التصرفات والعادات.
التوضيح
الأمور : جمع أمر ، وهو لفظ عام للأفعال والأقوال كلها ، ومنه قوله تعالى : (قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ) ، وقوله تعالى : (وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ) وقوله تعالى : (وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ (97). أي ما هو عليه من قول أو فعل. والكلام على تقدير مقتضى ، أي أحكام الأمور بمقاصدها ، لأن علم الفقه إنما يبحث عن أحكام الأشياء لا عن ذواتها ، ولذا فسرت المجلة القاعدة بقولها : "يعني أن الحكم الذي يترتب على أمر يكون على مقتضى ما هو المقصود من ذلك الأمر. فالأمور بمقاصدها أي الشؤون مرتبطة بنيّاتها ، وأن الحكم الذي يترتب على فعل المكلف ينظر فيه إلى مقصده فعلى حسبه يترتب الحكم تملكاً وعدمه ، ثواباً وعدمه ، عقاباً وعدمه ، مؤاخذة وعدمها ، ضماناً وعدمه ". والأصل في هذه القاعدة قوله - صلى الله عليه وسلم - : " إنما الأعمال بالنيات " وهذا حديث صحيح مشهور أخرجه الأئمة الستة وغيرهم من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه. وتواتر النقل عن الأئمة في تعظيم حديث النية ، وأنه لا شيء أجمع ، وأغنى ، وأكثر فائدة منه ، وأنه ثلث العلم ، ويدخل في سبعين باباً في الفقه. والنية محلها القلب في كل موضع ، وحقيقتها : قصد الشيء مقترناً بفعله ، ووقتها في أول العبادة غالباً ، والفعل عامة ، وتختلف كيقيتها باختلاف الأبواب ، ويشترط فيها : التمييز ، والعلم بالمنوي مطابقاً للواقع ، وعدم المنافي ، ويزيد في النية العبادات الإسلامية ، ويعتبر المقصد والنية على نية اللافظ في اليمين ، والاعتكاف ، والنذر ، والحج ، ونحوها إلا في اليمين الواجبة عند القاضي فتكون على نية القاضي. وقال العلماء : "مقاصد اللفظ على نية اللافظ إلا في موضع واحد ، وهو الحَلِف ، فإنه على نية المستحلِف ". وقال ابن خطيب الدهشة : "المقصود الأعظم بالنية الإخلاص . . ، والإخلاص إنما يكون بلإفراد العبادة لله وحده ".
التطبيقات
هذه القاعدة تجري في المعاوضات والتمليكات المالية ، والإبراء ، والوكالات ، وإحراز المباحات ، والضمانات والأمانات والعقوبات.
1 - أما المعاوضات والتمليكات المالية : كالبيع والشراء والإجارة والصلح والهبة ، فإنها كلها عند إطلاقها - أي إذا لم يقترن بها ما يقصد به إخراجها عن إفادة ما وضعت له - تفيد حكمها ، وهو الأثر المترتب عليها في التمليك والتملك. لكن إن اقترن بهذه المعاوضات ما يخرجها عن إفادة هذا الحكم كالهزل. والاستهزاء ، والمواضعة ، والتلجئة ، فإنه يسلبها إفادة حكمها المذكور. وإذا أراد بألفاظها النكاح مثلاً كانت نكاحاً ، لكن يشترط في الإجارة أو الصلح أن تكون المرأة بدلاً ليكون نكاحاً ، فلو كانت في الإجارة معقوداً عليها لا تكون نكاحاً ، وفي الصلح لو كانت مصالحاً عنها ، بأن ادعى عليها النكاح ، فأنكرت ، ثم صالحت المدعي على مال دفعته له ليكف عنها ، صح وكان خلعاً ، ومن باع أو شرى وهو هازل فإنه لا يترتب على عقده تمليك ولا تملك.
2 - أما الإبراء : فكما لو قال الطالب للكفيل ، أو قال المحال للمحتال عليه : برئت من المال الذي كفلت به ، أو المال الذي أحلت به عليك ، أو قال : برئت إلي منه ، وكان الطالب أو المحال حاضراً ، فإنه يرجع إليه في بيان قصده من هذا اللفظ ، فإن كان قصد براءة القبض والاستيفاء منه ، كان للكفيل أن يرجع على المكفول عنه لو كانت الكفالة بالأمر ، وكان للمحال عليه أن يرجع على المحيل لو لم يكن للمحيل دين عليه ، وإن كان قصد من ذلك براءة الإسقاط فلا رجوع لواحد منهما. أما إن كان الطالب أو المحال غير حاضر ، ففي قوله : "برئتَ إليَّ " لا نزاع في أنه يحمل على براءة الاستيفاء ، وكذلك في قوله : "برئتَ " عند أبي يوسف ، فإنه جعله كالأول ، وهو المرجح.
3 - أما الوكالات : فلو وكل إنسان غيره بشراء فرس معين ، أو نحوه ، فاشترى الوكيل فرساً ، ففيه تفصيل ، إن كان نوى شراءه للموكل ، أو أضاف العقد إلى دراهم الموكل ، فيقع الشراء للموكل ، وإن نوى الشراء لنفسه ، أو أضاف العقد إلى دراهم نفسه ، فيقع الشراء لنفسه ، وكذا لو أضاف العقد إلى دراهم مطلقة ، فإذا نوى بها دراهم الموكل يقع الشراء للموكل ، وإن نوى بها دراهم نفسه يقع لنفسه ، وإن تكاذبا في النيَّة يحكَّم النقد ، فيحكم بالفرس لمن وقع نقد الثمن من ماله ، لأن في النقد من أحد المالين دلالة ظاهرة على أنه أراد الشراء لصاحبه.
4 - أما الإحرازات : وهي استملاك الأشياء المباحة ، فإن النية والقصد شرط في إفادتها الملك ، فلو وضع إنسان وعاءً في مكان ، فاجتمع فيه ماء المطر ، ينظر : فإن كان وضعه خصيصاً لجمع الماء يكون ما اجتمع فيه ملكه ، كان وضعه بغير هذا القصد ، هما اجتمع فيه لا يكون ملكه ، ولغيره حينئذ أن يتملكه بالأخذ ، لأن الحكم وهو الملك لا يضاف إلى السبب الصالح إلا بالقصد. وكذلك الصيد ، فلو وقع الصيد في شبكة إنسان أو حفرة من أرضه ينظر : فإن كان نشر الشبكة أو حفر الحفرة لأجل الاصطياد بهما فإن الصيد ملكه ، وليس لأحد أن يأخذه ، وإن كان نشر الشبكة لتجفيفها ، أو حفر الحفرة لا لأجل الاصطياد ، فإنه لا يملكه ، ولغيره أن يستملكه بالأخذ (م/1303) .

5 - وأما الضمانات والأمانات فمسائلها كثيرة :
أ - منها اللقطة : فإن التقطها ملتقط بنية حفظها لمالكها كانت أمانة ، لا تضمن إلا بالتعدي ، وإن التقطها بنية أخذها لنفسه كان تلفها عليه ، والقول للملتقط بيمينه في النية لو اختلفا. وكذا لو التقطها ثم ردها إلى مكانها ، فإن كان التقطها للتعريف لم يضمن بردها لمكانها ، سواء ردها قبل أن يذهب بها أو بعده ، وسواء خاف بإعادتها هلاكها أو لا. وإن كان التقطها لنفسه لا يبرأ بإعادتها لمكانها ما لم يردها لمالكها.
ب - ومنها الوديعة ، فإن المودع إذا استعملها ثم تركها بنية العود إلى استعمالها لا يبرأ عن ضمانها ، لأن تعديه باق ، وإن كان تركها بنية عدم العود إلى استعمالها يبرأ ، ولكن لا يصدق في ذلك إلا ببينة ، لأنه أقر بموجب الضمان ، ثم ادعى البراء. وهذا إذا كان تعديه عليها بغير الحجر أو المنع عن المالك ، فإن كان بأحد هذين ، فإنه لا يبرأ عن الضمان إلا بالرد على المالك ، وإن أزال تعديه بالاعتراف بها. وكذلك كل أمين من قبل المالك إذا تعدى ثم أزال التعدي بنيته (ألا يعود إليه) فإنه يبرأ عن الضمان ، فلو لم يكن مسلطاً من قبل المالك أصلاً ، أو كان مسلطاً في مدة معينة وانتهت ثم تعدى ثم أزال تعديه وعاد إلى الحفظ لا يبرأ ، كما لو كان مأموراً بحفظ شهر ، فمضى شهر ، ثم استعمل الوديعة ثم ترك الاستعمال ، وعاد إلى الحفظ لا يبرأ.
جـ - الوكيل بالبيع لو خالف بأن استعمله ، أو دفع الثوب إلى قصار ليقصره حتى صار ضامناً ، فلو عاد إلى الوفاق يبرأ كمودع ، والوكالة باقية في بيعه. واستثنوا من الأمناء : المستعير لأجل الانتفاع ، والمستأجر ، والأجير ، فإن كلاً منهما لو عاد إلى الوفاق لا يبرأ ، فإذا تعدوا على العين المستعارة أو المستأجرة ، ثم تركوا التعدي بنية عدم العود إليه لا يبرؤون عن الضمان إلا بالرد على المالك ، ومثل ذلك كل أمين كانت يده يد استحفاظ من المالك ، كوارث المودع ، ومن ألقت الريح ثوباً في داره.
6 - وأما العقوبات ، فكالقصاص ، فإنه يتوقف على قصد القاتل ، وتقام الآلة المفرقة للأجزاء مقام قصد القتل ، لأن هذا القصد لا يمكن الوقوف عليه ، ودليل الشيء في الأمور الباطنة يقوم مقامه ، ويتوقف على أن يقصد قتل نفس المقتول لا غير ، فلو لم يقصد القتل أصلاً ، أو قصد القتل ، ولكن أراد غير المقتول ، فأصاب المقتول ، فإنه لا يقتص منه في شيء من ذلك ، بل تجب الدية ، ويكون القتل خطأ. سواء كان ما قصده مباحاً ، كما لو أراد قتل صيد ، أو إنسان مباح الدم ، فأصاب آخر محترم الدم ، أو كان ما قصده محظوراً ، كما لو أراد قتل شخص محترم الدم فأصاب آخر مثله.
7 - من قال : خذ هذه الدراهم ، فإن نوى التبرع بها كان هبة ، وإلا كان قرضاً واجب الإعادة.
8 - من قال لزوجته : أنت عليَّ كظهر أمي ، ينظر إلى نيته ، فإن نوى الظهار فمظاهر ، وإن نوى الكرامة ، كانت كرامة ، وإن نوى الطلاق كان طلاقاً ؛ لأن اللفظ يحتمل كل ذلك.
9 - العبادات ، والنية أساس فيها للتقرب ، ولتمييز العبادات من العادات ، وتمييز رتب العبادات ، كالوضوء أو الغسل يتردد بين التنظيف والتبرد والعبادة ، والإمساك عن المفطرات قد يكون للحمية والتداوي ، أو لعدم الحاجة إليها ، أو لفقدان الطعام ، والجلوس في المسجد قد يكون للاستراحة ، فشرعت النية لتمييز العبادة والقربة من غيرها ، ولذلك قال العلماء : " لا ثواب ولا عقاب إلا بنية" . والوضوء ، والغسل ، والصوم ، ونحوها قد يكون فرضاً ونذراً ونفلاً ، والتيمم قد يكون عند الحدث ، أو الجنابة ، والصورة واحدة ، فشرعت النية لتمييز رتب العبادات بعضها من بعض.
10 - قال لزوجته : أنت عليَّ حرام وبنوي الطلاق والظِّهار ، فالأصح أنه يخير بينهما هما اختاره ثبت.
11 - أحيا أرضاً بنية جعلها مسجداً فإنها تصير مسجداً بمجرد النية.
12 - حلف ألا يسلم على زيد ، فسلم على قوم هو فيهم ، واستثناه بالنية ، فإنه لا يحنث.
13 - المنقطع عن الجماعة لعذر من أعذارها إذا كان نيته حضورها لولا العذر يحصل له ثوابها ، والأحاديث الصحيحة تدل لذلك.
14 - إن الرجل إذا اشترى أو استأجر ، أو اقترض ، ونوى أن ذلك لموكله ، أو لموليه ، كان له ، وإن لم يتكلم به في العقد ، وإن لم ينوه له وقع الملك للعاقد ، وكذا لو تملك المباحات من الصيد والحشيش وغير ذلك ، ونوى أنه لموكله وقع الملك له عند أكثر الفقهاء ، فإذا كان القول والفعل الواحد ، يوجب الملك لمالكين مختلفين عند تغير النية ، ثبت أن للنية تأثيراً في التصرفات.
15 - لو قضى عن غيره ديناً ، أو أنفق عليه نفقة واجبة ، ونحو ذلك ، ينوي التبرع والهبة لم يملك الرجوع بالبدل ، وإن لم ينو فله الرجوع إن كان قد عمل بإذنه وفاقاً ، وبغير إذنه على خلاف فيه ، فصورة الفعل واحدة ، وإنَّما اختلفا ، هل هو من باب المعاوضات ، أو من باب التبرعات بالنية .
16 - إن الله سبحانه حرم أن يدفع الرجل إلى غيره مالاً ربوياً بمثله على وجه البيع ، إلا أن يتقابضا ، وجوّز الدفع على وجه القرض ، وقد اشتركا في أن هذا يقبض دراهم ، ثم يعطي مثلها بعد العقد ، وإنَّما فُرق بينهما للمقاصد ، فإن مقصود المقرض إرفاق المقترض ونفعه ، وليس مقصوده المعاوضة والربح .
17 - لو باعه درهماً بدرهمين كان رباً محرماً ، ولو باعه درهماً بدرهم ، ووهبه درهماً هبة مطلقة ، لا تعلق لها بالبيع ظاهراً ولا باطناً ، كان ذلك جائزاً ، فالذي يميز بين هذا التصرف وهذا ، هو القصد والنية ، فلولا مقاصد العباد ونياتهم لما اختلفت هذه الأحكام.
18 - عقود المكرَه وأقواله مثل بيعه ، وقرضه ، ورهنه ، ونكاحه ، وطلاقه. ورجعته ، ويمينه ، ونذره ، وشهادته ، وحكمه ، وإقراره ، وردته ، وغير ذلك من أقواله ، فإن هذه الأقوال كلها منه ملغاة مهدرة بالإجماع ، فالمكرَه أتى باللفظ المقتضي للحكم ، ولم يثبت حكم اللفظ ؛ لأنه لم يقصده ، وإنما قصد دفع الأذى عن نفسه. فصار عدم الحكم لحدم قصده وإرادته بذلك اللفظ ، وكونه إنما قصد به شيئاً آخر غير حكمه ، فعلم أن نفس اللفظ ليس مقتضياً للحكم إلا بالنية والقصد ، فالأسماء تتبع المقاصد ، فإذا اختلفت المقاصد اختلفت أحكام الأسماء.
19 - إن المقاصد معتبرة في التصرفات من العقود وغيرها ، وهذا إبطال للحيل التي يراد بها التوصل إلى المحرمات ؛ لأن المحتال لا يقصد بالتصرف مقصوده الذي جعل لأجله ، بل يقصد به استحلال محرم ، أو إسقاط واجب ، أو نحو ذلك.
20 - إن الهدية إذا كانت مقبوضة بسبب من الأسباب كانت مقبوضة بحكم ذلك السبب ، فإذا أهدى العامل في المضاربة إلى المالك شيئاً ، فالمالك مخير بين الرد ، وبين القبول والمكافأة عليها بالمثل ، وبين أن يحسبها له من نصيبه ؛ لأنه إنما أهداه لأجل المعاملة التي بينهما ، وليس مقصوده التبرع ، وإذا وهب واهب لأحد شيئاً يقصد بذلك العوض ولم يحصل له فله الرجوع على من وهبه ، وإذا أهدى المقترض إلى المقرض شيئاً قبل الوفاء ، لم يحل له قبولها ، إلا أن يحتسبها من الدين ؛ لأنه إنما أهدى إليه لأجل ما بينهما من المعاملة ، ولكي يُؤخر الاقتضاء.
21 - إذا كان الابن في حضانة أمه ، فأنفقت عليه تنوي بذلك الرجوع على الأب ، فلها أن ترجع على الأب في أظهر قولي العلماء.
22 - لا يجوز البيع لمن يستعين به على المنكر ، كالبيع في أعياد النصارى أوغيرهم ، للمسلمين الذين يعلم أنهم يستعينون بهذا الشراء على مشابهة الكفار في العيد ، وكذلك لا يحل للمسلمين أن يبيعوا للنصارى شيئاً من مصلحة عيدهم ، لا لحماً ، ولا ثوباً ، ولا يعارون دانة ، ولا يعاونون على شيء من دينهم ؛ لأن ذلك من تعظيم شركهم وعونهم على كفرهم.
23 - إذا علم المشتري أن العين المبيعة مغصوبة ، وأراد أن يشتريها ، فإن قصد بشرائها تملكها لم يجز له ذلك ، وإن قصد استنقاذها لتصرف في مصارفها الشرعية ، فتعاد إلى صاحبها إن أمكن ، وإلا صرفت في مصارف المسلمين ، جاز له الشراء.
24 - إذا أعطى الرجل زوجته مالاً زائداً عن النفقة ، فإن كان على وجه التمليك لها فقد ملكته ، وليس له إن طلقها هو ابتداء أن يطالبها بذلك ، وإن كان قد أعطاها لتتجمل به ، لا على وجه التمليك للعين ، فهو باق على ملكه ، فله أن يرجع فيه متى شاء ، سواء طلقها أولم يطلقها.
25 - إذا عمل أحد الشركاء أكثر من غيره ، فإن عمل ذلك تبرعاً فهم سواء في الأجر والربح ، وإن لم ينو التبرع بذلك فله حق المطالبة ، إما بما زاد في العمل ، وإما بإعطائه زيادة في الأجر أو الربح بقدر عمله.
26 - النبات الذي ينبت بغير فعل الآدمي ، كالكلأ ينبته الله في ملك الإنسان ونحوه. لا يجوز بيعه في أحد قولي العلماء ، لكن إن قصد صاحب الأرض تركها بغير زرع ، لينبت فيها الكلأ ، فبيع هذا أسهل ؛ لأنه بمنزلة استنباته .
المستثنى
1 - إن هذه القاعدة لا تجري بين أمرين مباحين ، لا تختلف بالقصد صفتهما ، كما لو وقع الخلاف في كون المبيع صدر هزلاً ، أو مواضعة مثلاً ، لأن اختلاف القصد بين الهزل والمواضعة لا يترتب عليه ثمرة ؛ إذ كل منهما لا يفيد تمليكاً ولا تملكاً. بل تجري القاعدة بين أمرين مباحين تختلف صفتهما بالقصد ، كما لو دار الأمر بين البيع المراد حكمه ، وبين بيع المواضعة ونحوه ، وتجري بين مباح ومحظور ، كاللقطة بنية حفظها لمالكها مباح ، وبنية أخذها لنفسه محظور ، ولبس ثوب الوديعة ثم نزعه ، فإن العود إلى لبسه محظور ، وعدم العود إلى لبسه مطلوب.
2 - لا تشترط النية في عبادة لا تكون عادة ، أو لا تلتبس بغيرها ، كالإيمان باللَّه تعالى ، والخوف ، والرجاء ، والنية ، وقراءة القرآن ، والأذكار ، لأنها متميزة بصورتها.
3 - لا تشترط النية في التروك ، كالزنى ، وشرب الخمر ، والسرقة ، وغيرها ، فإن الترك لا يحتاج إلى نية لحصول المقصود منها ، وهو اجتناب المنهي عنه بكونه لم يوجد ، وإن لم يكن نية . لكن الترك يحتاج إلى نية في حصول الثواب المترتب على الترك .لأنه لا ثواب ولا عقاب إلا بنية.
4 - الخطأ في النية لا يَضر أحياناً ، وضابطه : ما يجب التعرض له في النية جملة ، ولا يشترط تعيينه ، فإن عينه فلا يضر ، كما لو نوى رفع حدث النوم مثلاً ، وكان حدثه غيره كمس المرأة ، أو نوى رفع جنابة الجماع ، وجنابته باحتلام وعكسه ، أو رفع حدث الحيض وحدثها الجنابة أو عكسه ، خطأ ، لم يضر ، وصح الوضوء والغسل في الأصح. وسبب الاستثناء والخروج على القاعدة أن النية في الوضوء والغسل ليست للقربة ، بل للتمييز بين العبادة والعادة ، ولأن الأحداث وإن تعددت أسبابها. فالمقصود منها واحد ، وهو المنع من الصلاة ، ولا أثر لأسبابها من نوم أو غيره .


5 - نوى المحدث غسل أعضائه الأربعة عن الجنابة غلطاً ظاناً أنه جنب صح وضوءُه.
6 - ذبح أضحية لله تعالى ، وللصنم ، فتحرم الذبيحة بانضمام النية للصنم ، لأنه تشريك في نية عبادة مع ما ليس بعبادة فيبطلها ، ولا يضر التشريك في النية في صور كثيرة كما لو نوى الوضوء أو الغسل والتبرد صح الوضوء والغسل ، أو نوى الصوم والحمية أو التداوي صح صومه ، أو نوى الصلاة ودفع غريمه صحت صلاته ، أو نوى الطواف وملازمة غريمه أو السعي خلفه صح طوافه ، أو قرأ في الصلاة آية وقصد بها القراءة والتفهيم فإنها لا تبطل ، ولو قال له إنسان : صَل الظهر ولك دينار ، فصلى بهذه النية تجزئه صلاته ، ولا يستحق الدينار.
7 - كبَّر المسبوق ، والإمام راكع ، تكبيرة واحدة ، ونوى بها التحرم والهوي إلى الركوع لم تنعقد الصلاة أصلاً للتشريك ، وكذا إذا نوى بصلاته الفرض والراتبة لم تنعقد أصلاً.
8 - لا تكفي النية أحياناً ، ويشترط معها التلفظ باللسان بالمنوي ، فلو نوى أصل الطلاق ، أو عدداً منه ، ولم يتلفظ بذلك فلا وقوع ، ولو نوى النذر بقلبه ولم يتلفظ به لم ينعقد ، ومن اشترى شاة بنية الأضحية ، أو الإهداء للحرم ، فلا تصير أضحية ولا هدياً على الصحيح حتى يتلفظ بذلك ، وإذا باع سلعة بألف ، وفي البلد نقود لا غالب فيها ، فقبل المشتري ، ونويا نوعاً لم يصح في الأصح حتى يبيناه لفظاً. ولو قال : أنت طالق ، ثم قال : أردت إن شاء الله ، لم يقبل حتى يتلفظ بذلك ، ومن همَّ بقول معصية ولم يتلفظ به لم يأثم ما لم يقل ، فإن قال بعد الهم أثم بها أيضاً.
9 - لا تؤثر نية قطع العبادات أحياناً ، لمن نوى قطع الفاتحة ، ولم يسكت لا تبطل صلاته ، ومن نوى الإقامة وقطع السفر ، فإن كان سائراً لم يؤثر ؛ لأن السير يكذبها. ولو نوى بمال القُنْية التجارة لم يؤثر في الأصح ، ولا تجب زكاة التجارة إلا إذا شرع بها في هذه الحالة ، ومن نوى قطع الصوم والاعتكاف لم يبطلا في الأصح ، ومن نوى الأكل والجماع في الصوم لم يضره ، ومن نوى فِعْل منافِ في الصلاة كالأكل والعمل الكثير لم تبطل قبل الشروع فيه ، ومن نوى قطع الحج والعمرة لم يبطلا بلا خلاف ، لأنه لا يخرج منهما بالفساد. ومن نوى الخيانة في الوديعة لم يضمن على الصحيح.
إلا أن يتصل به نقل من الحرز.
10 - تصح النية مع التردد والتعليق في صور ، كمن اشتبه عليه ماء وماء ورد لا يجتهد ويتوضأ بكل مرة ، ويغتفر التردد في النية للضرورة كمن عليه صلاة من الخمس فنسيها ، فصلى الخمس ثم تذكرها ، لا تجب الإعادة ، ومن عليه صوم واجب لا يدري هل هو من رمضان أو نذر أو كفارة ، فنوى صوماً واجباً أجزأه ، ويُعْذَرُ في عدم جزم النية للضرورة. ومن صور التعليق : ما إذا علق إحرامه على إحرام صاحبه ، كأن يقول : إن كان زيد محرماً فقد أحرمتُ ، فإن تبين إحرام صاحبه انعقد إحرامه ، وإلا فلا ، ولو أحرم ليلة الثلاثين من رمضان وهو شاك ، فقال : إن كان من رمضان فإحرامي بعمرة ، وإن كان من شوال فإحرامي بحج ، فكان من شوال صح ، ومن شك في قصر إمامه ، فقال : إن قصر قصرت ، وإلا أتممت ، فبان قاصراً قصر ، وإن اختلط موتى مسلمون بكفار ، أو شهداء ، وصلى على كل واحد منهم بنية الصلاة عليه إن كان مسلماً أوغير شهيد صح ، ومن عليه فائتة وشك في أدائها ، فقال : أصلي عنها إن كانت ، وإلا فنافلة ، فتبين أنها عليه ، أجزأه ، ومن نوى زكاة ماله الغائب إن كان باقياً لم يتلف ، وإلا فعن الحاضر ، فبان باقياً أجزأه عنه ، أو تالفاً أجزأه عن الحاضر ، ومن أحرم بصلاة الجمعة في آخر وقتها ، فقال : إن كان باقياً فجمعة ، وإلا فظهر ، فبان بقاؤه ، صحت الجمعة.
11 - ذهب جمهور الفقهاء إلى لزوم نكاح الهازل وطلاقه ورجعته وعتقه مع أنه لا يقصد ذلك ، وأجاز بعض الفقهاء تصرفاته المالية ، لأنه أتى بالقول وإن لم ينو الالتزام بحكمه ، لأن ترتيب الأحكام على الأسباب للشارع لا للعاقد .
12 - يدخل في الاستثناءات ما تشمله القاعدة التي وضعها. (ابن رجب رحمه الله تعالى عند الحنابلة بقوله : "النية تعمُّ الخاص ، وتخصِّص العام بغير خلاف فيهما ، وهل تقيد المطلق ، أو تكون استثناء من النص ؟ على وجهين فيهما ، فهذه أربعة أقسام " وعرض صوراً كثيرة لكل قسم.
- ضوابط ما يحتاج إلى نية من الأعمال وما لا يحتاج عند المالكية :
1 - كل ما تمحض للتعبد ، أو غلبت عليه شائبته ، فإنه يفتقر إلى النية ، كالصلاة والتيمم ، وما تمحض للمعقولية ، أو غلبت عليه شائبته ، فلا يفتقر ، كقضاء الدين ، فإن استوت الشائبتان فقيل كالأول يلحق بحكم العبادة ، وقيل كالثاني يلحق بحكم الأصل ، وإعمال الشائبتين أرجح من إلغاء إحداهما ، كالدليلين.
2 - كل ما كانت صورة فعله كافية في تحصيل مصلحته فإنه لا يفتقر إلى نية ، كغسل النجاسة.
3 - القربات التي لا لبس فيها ، كالذكر والنية ، لا تفتقر إلى نية.
4 - النيَّة في العبادات للتمييز والتقرب ، وفي غيرها للتمييز.
5 - ما يطلب الكف عنه فتركه يُخرج من عهدته ، وإن لم يقصد المكلف ولم يشعر به.
6 - الفعل إن اشتمل على مصلحة مع قطع النظر عن فاعله صحت فيه النيابة ، ولم تشترط فيه النية ، وإن لم يشتمل إلا مع النظر إلى فاعله لم تصح واشترطت.
7 - كل ما تصح فيه النيابة لا تشترط فيه النية.
8 - كل ما تشترط فيه النية لا تصح فيه الاستنابة.
التطبيقات
1 - قضاء الديون ، وردّ الودائع ، والغصوب ، وإزالة النجاسة ، ونفقات الزوجات ، والأقارب ، وعلف الدواب ، كل ذلك لا تشترط فيه النية ، فلو فعله إنسان دون أن يشعر به ، غافلاً عن التقرب ، لأجزأه ، ولا يفتقر إلى إعادته ، ويجوز أن ينيب غيره ليفعله عنه ، لأن صورته كافية في تحصيل مصلحته ، واستحضار النية فيه يعظم الأجر.
2 - الصلاة والوضوء والغسل والصيام ، وكل ما كان عبادة محضة ، لا يقبل النيابة ، والنية شرط في صحته ، لأن صورته وحدها غير كافية في تحصيل مصلحته ، بل حتى ينضم إليها الخضوع لله تعالى والذلّة والاستكانة.
3 - ما كان فيه شبه بكل من القسمين السابقين ، كالزكاة والكفارات والطهارة ، تجوز فيه النيابة ، واختلف في اشتراط النية في صحته ، والصحيح اشتراطها ؛ لأن جانب التعبد فيه أظهر.
4 - ترك المنكرات كترك الغيبة والنميمة والكف عن أذى الناس ، وترك المعاصى بأنواعها ، لا تحتاج من المكلف إلى نية ، فلو تركها دون أن يشعر لكان ممتثلاً خارجاً من عهدتها ، ولكن إذا نوى بتركها التقرب إلى الله تعالى كان مأجوراً.
المستثنى
1 - الحج عبادة تفتقر إلى النية ، وجازت فيه النيابة للعاجز على خلاف القاعدة ، رخصة ورفقاً بالعباد ، لورود حديث الخثعمية بالحج عن أبيها.
2 - تشرع النية في غير المأمور به على خلاف العادة ، كالمباحات ، إذا قصد به التقوي على أمر مطلوب ، كمن يقصد بالنوم التقوي على قيام الليل ، وبالأكل التقوي للطاعة ، وتشرع له النية ، ويثاب عليه.
- 2 ضوابط ما يحتاج إلى نية عند الحنابلة:
تدخل النية في العبادات جميعها ، ومنها : الوضوء والتيمم والغسل ، والصلاة : فرضها ونفلها ، عينها وكفايتها ، والزكاة ، والصيام ، والاعتكاف ، والحج ؛ فرضه ونفله ، والأضحية والهدي والنذور ، والكفارات والجهاد والعتق والتدبير والكتابة. بمعنى أن حصول الثواب في هذه المسائل الأربعة الأخيرة يتوقف على قصد التقرب إلى الله تعالى ، وشري هذا إلى سائر المباحات ، إذا قصد بها التقوّي على طاعة الله سبحانه وتعالى ، أو التوصل إليها ، كالأكل والنوم ، واكتساب المال ، والنكاح ، والوطء فيه ، وفي الأمة إذا قُصد به الإعفاف ، أو تحصيل الولد الصالح ، أو تكثير الأمة ، أما التروك فلا تحتاج إلى نية. وترد هذه القاعدة ” الأمور بمقاصدها "

القاعدة الأساسية الثانية : اليقين لا يزول بالشك :
الألفاظ الأخرى
- اليقين لا يزال بالشك.
- من شك هل فعل شيئاً أو لا ، فالأصل أنه لم يفعله.
- من تيقن الفعل وشك في القليل أو الكثير عمل على القليل ، لأنه المتيقن.
- الثابت باليقين لا ينتقض إلا بيقين مثله.
- اليقين لا يرفع بالشك.
- ما ثبت بيقين لا يرفع إلا بيقين.
- ما ثبت بيقين فلا يزول إلا بيقين مثله.
- لا يرفع يقين بشك.
التوضيح
اليقين لغة : العلم الذي لا تردد معه ، أي الاستقرار ، وهذا هو المراد من القاعدة ، وليس ما يقوله علماء المعقول بأنه الاعتقاد الجازم ، المطابق للواقع. الثابت ، لأن الأحكام الفقهية إنما تبنى على الظاهر ، وقد يكون الأمر في نظر الشارع يقيناً لا يزول بالشك في حين أن العقل يجيز أن يكون الواقع خلافه ، وذلك كالأمر الثابت بالبينة الشرعية ، فإنه في نظر الشرع يقين كالثابت بالعيان ، ويحكم به القاضي. مع أن شهادة الشهود هي مجرد خبر آحاد يجيز العقل فيها السهو والكذب ، ومع ذلك فإن هذا الاحتمال الضعيف لا يخرج ذلك عن كونه يقيناً ، لأنه لقوة ضعفه قد طرح أمام قوة مقابله ، ولم يبق له اعتبار في نظر الناظر ، فاليقين هو الجزم بوقوع الشيء أو عدم وقوعه. والشك : هو التردد بين النقيضين بلا ترجيح لأحدهما على الآخر ، أو هو التردد في وقوع الشيء وعدم وقوعه على السواء ، وبينه وبين اليقين الظن ، أو الظن الغالب. وهو ترجيح أحد الطرفين على الآخر بدليل ظاهر يبني عليه العاقل أموره ، لكن لم يطرح الاحتمال الآخر ، ويقابل الظنَّ الوهمُ ، وهو الجانب المرجوح لدليل أقوى منه ، والفقهاء يريدون بالشك مطلق التردد سواء كان الطرفان سواء أو أحدهما راجحاً ، وعلماء الأصول يفرقون بين الشك والظن.
ومعنى القاعدة : أن الأمر المتيقن بثبوته لا يرتفع بمجرد طروء الشك ، ولا يحكم بزواله بمجرد الشك ؛ لأن الأمر اليقيني لا يعقل أن يزيله ما هو أضعف منه ، ولا يعارضه إلا إذا كان مثله أو أقوى ، فاليقين لا يُرفع حكمه بالشك أي بالتردد باستواء أو رجحان (أي بالظن) ، وهذا ما يؤيده العقل ؛ لأن الأصل بقاء المتحقق. ومستند هذه القاعدة قوله - صلى الله عليه وسلم - : "إذا وجد أحدكم في بطنه شيئاً فأشكل عليه. أخرج منه شيء أم لا ؟ فلا يخْرُجَنَّ من المسجد حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً" رواه مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه ، فالمتوضئ إذا شك في انتقاض وضوئه فهو على وضوئه السابق المتيقن ، وتصح به صلاته حتى يتحقق ما ينقضه ، ولا عبرة بذلك الشك. وأخرج الحديث أيضاً ابن ماجة والترمذي. وقوله على عن عبد اللّه بن زيد قال : شُكي إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الرجل يُخيل إليه أنه يجدُ الشيء في الصلاة ؛ قال : "لا ينصرف حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً" أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والدارمي والنسائي وابن ماجة وأحمد. وقوله - صلى الله عليه وسلم - : "إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدرِ كم صلى أثلاثاً أو أربعاً ؛ فليطرح الشك ، وليَبْن على ما استيقن " أخرجه مسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.
التطبيقات
إن هذه القاعدة من أمهات القواعد التي عليها مدار الأحكام الفقهية ، وتدخل في جميع أبواب الفقه ، والمسائل المخرجة عليها من عبادات ومعاملات وغيرها تبلغ ثلاثة أرباع الفقه وأكثر ، ويتفرع عنها أو يندرج تحتها عدة قواعد فقهية ، ستأتي. وجميع الفروع الفقهية والأمثلة التطبيقية للقواعد الفرعية تدخل غالباً في هذه القاعدة الأساسية الرئيسة ، ونذكر التطبيقات المباشرة لها :
1 - المفقود : وهو الذي غاب عن بلده ، ولا يحرف خبره أنه حي أو ميت ، تجري عليه أحكام الأحياء فيما كان له ، فلا يُورث ، ولا تبين زوجته ؛ لأن حياته حين تغيبه متيقنة ، وموته قبل المدة المضروبة شرعاً ، بموت جميع أقرانه ، مشكوك ، فيدخل تحت قاعدة "اليقين لا يزول بالشك ".
2 - من تيقن الطهارة ، وشك في الحدث ، فهو متطهر ، أو تيقن الحدث وشك في الطهارة فهو محدث. وخالف المالكية فقالوا : من تيقن الطهارة وشك في الحدث فالمشهور أنه يعيد الوضوء مع تفصيل فيه.
3 - الخنثى : عدم نقض الوضوء بمس الخنثى ، أو لمسه.
4 - العقد : إذا ثبت عقد بين اثنين ووقع الشك في فسخه فالعقد قائم.
5 - الدَّيْن : إذا تحقق الدين على شخص ثم مات ، وشككنا في وفائه ، فالدين باق.
6 - الوديعة : إذا هلكت الوديعة عند الوديع ، وشككنا في أنها هلكت بتعديه عليها أو تقصيره ، أو قضاء وقدراً ، فهو غير ضامن ، لأن صفة الأمانة هي المتيقنة عند العقد ، فلا تزول بالشك في حصول التعدي أو التقصير.
7 - النفقة : تعاشر الزوجان مدة مديدة ثم ادعت الزوجة عدم الكسوة والنفقة. فالقول قولها ؛ لأن الأصل بقاؤها في ذمته وهو يقين ، وعدم أدائها.
8 - الماء : اشترى ماءً ، ثم ادعى نجاسته ليرده ، فالقول قول البائع ، لأن الأصل المتيقن طهارة الماء.
9 - الطهر : ادعت المطلقة الرجعية امتداد الطهر ، وعدم انقضاء العدة ، صدقت ، ولها النفقة ؛ لأن الأصل المتيقن بقاؤها.
10 - الدَّيْن : إذا كان إنسان يعلم أن زيداً مدين لعمرو بألف مثلاً ، فإنه يجوز له أن يشهد على زيد بالألف ، وإن خامره الشك في وفائها أو في إبراء الدائن له منها ، إذ لا عبرة للشك في جانب اليقين السابق.
11 - الملك : إذا كان الشخص يعلم أن العين الفلانية كانت ملك زيد ، ثم نازعه فيها أحد ، فإنه يجوز أن يشهد لزيد بأن العين ملكه ، وإن كان يحتمل أنه باعها لمن ينازعه.

12 - الإبراء : لو ادعى زيد على عمرو ألفاً مثلاً ، فأقام عمرو بينة على الأداء أو الإبراء ، فأقام زيد أيضاً بينة على أن له عليه ألفاً ، فإن بينة زيد هذه لا تقبل من غير أن يبرهن أن الألف المشهود عليها هي غير تلك الألف التي ادعى عمرو أداءها أو الإبراء عنها ، لأن فراغ ذمة عمرو بعد البينة التي أقامها أصبح يقيناً ، والألف التي أقام زيد عليها البينة مطلقة ، فيحتمل أن تكون هي المرادة أو المبروء عنها ، فلا تشغل ذمة عمرو بمجرد الشك ، بعد التيقن بفراغها ، ولأن الموجب والمسقط إذا اجتمعا يعتبر المسقط متأخراً ، إذ السقوط بعد الوجوب.
13 - الإقرار : لو أقر شخص أنه لا حق له فيما بيد فلان ، ثم برهن على شيء في يد فلان أنه غصبه منه ، لم يقبل حتى يشهد بغصبه بعد إقراره ؛ لأن الإبراء يعمل فيما قبله لا فيما بعده ، ولا يعمل فيما بعده إلا في مسألة ، وهي : إذا شرط البائع في البيع البراءة من كل عيب في المبيع دخل العيب القديم والحادث بعد البيع قبل القبض عند الحنفية.
14 - العيب : لو اشترى أحد شيئاً ، ثم ادعى أن به عيباً ، وأراد رده ، واختلف التجار أهل الخبرة ، فقال بعضهم : هو عيب ، وقال بعضهم : ليس بعيب ، فليس للمشتري الردُّ ؛ لأن السلامة هي الأصل المتيقن ، فلا يثبت العيب بالشك ، وكذا لو وجد العيب عند البائع ثم عند المشتري ، لكن اشتبه فلم يُدر أنه عين الأول أو غيره ، فإنه لا يُردُّ.
15 - الغصب : لو ردَّ الغاصب العين المغصوبة على من في عيال المالك ، فإنه لا يبرأ ، لأن الردّ على من في عياله ردّ من وجه دون وجه ، والضمان كان واجباً بيقين ، فلا يبرأ بشك.
16 - الرضاع : لو طلق الرجل زوجته ، وكانت ذات لبن ، وتزوجت بآخر بعد عدتها ، فحملت منه ، وأرضعت طفلاً في مدة الحمل ، فإن لبنها لم يزل معتبراً من الزوج الأول ، فتثبت به حرمة الرضاع بالنسبة له ؛ لأنه كان متيقناً أن اللبن منه ، فلا نحكم بأنه من الثاني بمجرد الشك الحاصل بسبب حبلها من الزوج الثاني ، فإذا ولدت يحكم حينئذ بأن اللبن بعد الولادة من الثاني.

17 - من شك هل طلق امرأته ، أو لا ، فلا يقع الطلاق ؛ لأن الأصل أنه لم يفعله.
18 - - الماء : إذا تيقن طهارة الماء ، وشك في نجاسته ، أو تيقن نجاسته ، وشك في طهارته ، فالتيقن لا يزول بالشك..
19 - الوقت : إذا شك في دخول الوقت في الصلاة والصوم ، أو إذا شك في خروجه ، فاليقين لا يزول بالشك..
20 - العدد : إذا شك في عدد الطواف بنى على اليقين. قال ابن المنذر : أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على ذلك. وإذا شك في عدد الطلاق أخذ باليقين وهوالأقل.
21 - الطلاق : إذا تيقن الزوجية وشك في الطلاق ، أو تيقن الطلاق وشك في الحِل ، بنى على اليقين..
وقال المالكية : من شك هل طلق زوجته أم لا ؟ يحكم ببقاء زوجته في عصمته ، ومن شك هل طلق إحدى زوجاته أم لا ؟ فإنهم يحكمون ببقاء جميع زوجاته في عصمته ، لكن إن تيقن أنه طلق زوجته ، وشك هل طلقها واحدة أو اثنتين أو ثلاثة ؟ فإنهم يعتبرونه قد طلقها ثلاثاً ، وكذلك لو تيقن طلاق إحدى نسائه وشك في عينها ، فنساؤه كلهن طوالق ، للاحتياط الشرعي.
22 - النجاسة : إذا استيقن في ثوب نجاسة ، بحيث لا يدري مكان النجاسة. يغسل الثوب كله ، لأن الشك لا يرفع المتيقن قبله، وكذلك إذا تيقن نجاسة الماء. ثم شك هل زالت أم لا ؟ بنى على يقين النجاسة.
23 - لو شك هل صلى ثلاثاً أو أربعاً ، وهو منفرد ، بنى على اليقين ، إذ الأصل بقاء الصلاة في ذمته. وكذلك إذا شك هل طاف ستاً أو سبعاً ، أو رمى ست حصيات أو سبعاً ، بنى على اليقين. وكذلك إذا شك في عدد الرضعات بنى على اليقين. وكذلك زوجة الأسير لا تنكح حتى تعلم يقين وفاته ما دام على الإسلام ، قال ابن المنذر رحمه الله تعالى : " أجمعوا على أن زوجة الأسير لا تنكح حتى تعلم يقين وفاته ما دام على الإسلام ".
24 - لو شك الصائم في غروب الشمس ، لم يجز له الفطر ، اعتباراً بالأصل المتيقن ، وهو بقاء النهار ، ولو شك في طلوع الفجر جاز له الأكل ؛ لأن الأصل بقاء الليل.
25 - لو شك في امرأة هل تزوجها ، أم لا ؟لم يكن له وطؤها ، استصحاباً لحكم التحريم إلى أن يتحقق تزوجه بها اتفاقاً (الفتوحي 4/ 441).
26 - لو شك : هل طلق واحدة أو ثلاثاً ؟ الأصل الحل .
27 - لو شك في طهارة الماء أو نجاسته ، أو أنه متطهر أو محدث ، أو شك في عدد الركعات أو الطواف ، أو غير ذلك مما لا يحصر ، فلا يلتفت إلى الشك .
28 - إذا شك في خلق الجنين وقت موت مورّثه ، بنى على اليقين ، وهو العدم ابن تيمية.
29 - لو حلف على شيء أنه كذا ، فلم يتبين له كيف هو ؟ لم يحنث بمجرد الشك.
30 - الأصل في العقود الحل والإباحة ، ما لم يرد عن الشارع نص في حرمة شيء منها ، أو لم تشتمل على شيء مما حرمه الشارع ، ولا يحل لأحد أن يحرم منها شيئاً بالظن ، وبلا دليل من كتاب الله وسنة نبيه لمج.
31 - الشروط الأصل فيها الصحة والإباحة ، فيجوز لكل من المتعاقدين أن يشترطا في العقد ما يرانه محققاً لمصلحته ، ما لم يكن محلاً لحرام ، أو محرماً لمباح. ويستصحب المسلم هذين الأصلين ما لم يرد عن الشارع نص بخصوصه ، ولا ينتقل عن ذلك إلا بيقين آخر.

32 - الأصل فيما بيد المسلم أن يكون ملكاً له ، فهذا أصل متيقن ، فلا يزال عنه إلا بيقين مثله ، ولا يجب على المشتري أن يسأل البائع عما في يده ، هل هو ملك له ، أو هل هو مغصوب أو مسروق ، سواء كان هذا البائع برّاً أم فاجراً.
33 - كل احتمال لا يستند إلى أمارة شرعية لم يلتفت إليه ، كالشبهة التي تعرض للمسلم في بيعه وشرائه ، والاحتمالات النادرة لا يلتفت إليها ، فالأصل إلحاق الفرد بالأعم الأغلب.
34 - الأصل صحة تصرف المكلف ، وأنه غير محجور عليه ، ولا سفيه ، فمتى صدرت منه معاملة في بيع أو شراء ، ونحو ذلك من التصرفات المالية ، تم ادَّعى عدم صحة تصرفه لحجر عليه أو سفه أو نحوهما مما لا دليل عليه ، فالأصل صحة تصرفه ونفوذه ، ولزومه ، ما لم يقم دليل يفيد خلاف ذلك.
فائدة ، عموم هده القاعدة
قال ابن النجار الفتوحي الحنبلي رحمه الله تعالى : "ولا تختص هذه القاعدة بالفقه. بل الأصل في كل حادث عدمُه حتى يتحقق ، كما نقول : الأصل : انتفاء الأحكام عن المكلفين حتى يأتي ما يدل على خلاف ذلك ، والأصل في الألفاظ أنها للحقيقة ، وفي الأوامر أنها للوجوب ، وفي النواهي أنها للتحريم ، والأصل بقاء العموم حتى يُتحقق ورود المخصص ، والأصل بقاء حكم النص حتى يرد الناسخ ". ثم قال : " ولأجل هذه القاعدة كان الاستصحاب حجة" ثم قال : "ومما ينبني على هذه القاعدة ألا يطالبَ بالدليل ، لأنه مستند إلى الاستصحاب ، كما أن المدّعى عليها في باب الدعاوى لا يطالب بحجة على براءة ذمته ، بل القول في الإنكار قولُه بيمينه).

المستثنى
يستثنى من قاعدة "اليقين لا يزول بالشك " أمور ، يزول حكم اليقين فيها بالشك. وهي :
1 - دفع الثمن : إذا ادعى المشتري عيباً في المبيع موجباً لردّه على البائع ، بعد قبضه المبيع ، فإنه لا يجبر على دفع الثمن للبائع حتى تنتهي الخصومة في العيب ، فدفع الثمن يقين ، وزال ها هنا للحال ، بمجرد الشك في أصل العيب ، وقدم العيب ، المحتملين الثبوت وعدمه ، فقد يكون الشيء الذي يزعمه المشتري عيباً ليس بعيب بالنسبة لهذا المبيع ، فالواجب عند ادعاء العيب إثبات كونه عيباً أولاً ، ثم الانتقال إلى البحث في قِدمه كما هو معلوم ، فإن ثبت أصل العيب ، وثبت قدمه عند البائع يفسخ القاضي البيع ، فإن عجز المشتري عن الإثبات يجبر على دفع الثمن حينثذ.
2 - شك ماسح الخف هل انقضت المدة أم لا ؟ فيحكم بانقضاء المدة بهذا الشك.
3 - شك هل مسح في الحضر أم في السفر ؛ يحكم بانقضاء المدة للحفر.
4 - شك مسافر : أوصل بلده أم لا ؟ فلا يجوز له الترخيص بالقصر والجمع وغيرهما.
5 - شك هل نوى الإقامة أم لا ؟ يحكم عليه بالإقامة ، ولا يجوز له الترخص.
6 - أحرم المسافر بنية القصر خلف من لا يدري أمسافر هو أم مقيم ؟ لم يجز له القصر لهذا الشك.
7 - بال حيوان في ماء كثير ، ثم وجده متغيراً. ولم يدر أتغير بالبول أم بغيره ؟ فهو نجس لهذا الشك.
8 - المستحاضة المتميزة يلزمها الغسل عند كل صلاة شكت في انقطاع الدم قبلها.

9 - تيمم ثم رأى شيئاً لا يدري أسراب هو أم ماء ؟ بطل تيممه ، وإن بانَ سراباً.
10 - رمى صيداً فجرحه ، ثم غاب ، فوجده ميتاً ، وشك هل أصابته رمية أخرى من حجر أم غيره ؟ لم مجل أكله ، وكذا لو أرسل عليه كلباً.
11 - من أصابته نحاسة في ثوبه أو بدنه ، وجهل موضعها ، يجب غسل كله.
12 - المستحاضة أو سلس البول إذا توضأ. ثم شك هل انقطع حدثه أم لا ؟ فصلى بطهارته لم تصح صلاته.
13 - إذا شك الناس في انقضاء وقت الجمعة فإنهم لا يصلون الجمعة ، وإن كان الأصل بقاء الوقت.
14 - إذا توضأ وشك : هل مسح رأسه أم لا ؟ فيه وجهان ، الأصح صحة وضوئه ، ولا يقال : الأصل عدم المسح ، وفي الوجه الثاني يعتبر الشك ولا يصح وضوءُه.
15 - لو سلم من صلاته ، وشك : هل صلى ثلاثاً أو أربعاً ؛ الأظهر أن صلاته مضت على الصحة. وفي القول الآخر يعمل بالشك وأنه صلى ثلاثاً ، ويعيد.
16 - الأصل أن الهرة فمها نجس ، فترك لاحتمال ولوغها في ماء كثير ، وهو شك.
17 - من رأى منياً في ثوبه ، أو فراشه الذي لا ينام فيه غيره ، ولم يذكر احتلاماً لزمه الغسل في الأصح ، مع أن الأصل عدمه.
18 - من شك بعد صوم يوم من الكفارة ، هل نوى ؟ لم يؤثر على الصحيح ، مع أن الأصل عدم النية ، والشك فيها ، فيقدم الشك على الأصل.
19 - من عليه فائتة ، شك في قضائها ، لم يلزمه مع أن الأصل بقاؤها.

20 - عند المالكية : من تيقن أنه طلق زوجته ، وشك هل طلقها واحدة أو اثنتين أو ثلاثة ؛ فإنهم يعتبرونه قد طلقها ثلاثاً ، وكذلك لو تيقن طلاق إحدى نسائه ، وشك في عينها ، فنساؤه كلهن طوالق ، والحجة في ذلك هو الاحتياط الشرعي.
21 - إذا كان متطهراً وشك في الحدث بعد الطهارة فيجب الوضوء عند مالك فاعتبر الشك .
22 - لو توضأ شاكاً في الحدث ، أو صلى مع غلبة الظن بدخول الوقت ونوى الفرض ، إن كان محدثاً ، أو الوقت قد دخل ، وإلا فالتجديد ، أو النفل ، يجزئه ذلك ؛ لأن هذا حكمه ، ولو لم ينوه ، فإذا نواه لم يضره.
23 - لو كان له مال حاضر وغائب ، فأدى زكاته ، ونوى أنها عن الغائب إن كان سالماً ، وإلا فتطوع ، فبان سالماً ، أجزأه.

القاعدة الأساسية الثالثة : لا ضرر ولا ضرار:
التوضيح
الضرر : إلحاق مفسدة بالغير ، والضرار مقابلة الضرر بالضرر ، فلا يجوز لأحد أن يلحق ضرراً ولا ضراراً بآخر ، وسبق ذلك بأسلوب نفي الجنس ليكون أبلغ في النهي والزجر. وهذه القاعدة لفظ حديث شريف حسن ، رواه ابن ماجة والدارقطني وأحمد والحاكم مسنداً ، ورواه مالك في (الموطأ) مرسلاً ، بلفظ "لا ضرر ولا إضرار" وتكملته في المستدرك : "من ضار ضاره الله ، ومن شاق شاق الله عليه ". واستغراق النفي في الحديث الشريف يفيد تحريم سائر أنواع الضرر في الشرع ، لأنه نوع من الظلم ، ونفي الضرر يفيد دفعه قبل وقوعه بطريق الوقاية الممكنة ، ورفعه بعد وقوعه بما يمكن من التدابير التي تزيله ، وتمنع تكراره ، كما يفيد الحديث اختيار أهون الشرين لدفع أعظمهما ، لأن في ذلك تخفيفا للضرر عندما لا يمكن منعه منعاً باتاً. لكن هذه القاعدة مقيدة إجماعاً بغير ما ثبت بالشرع ، كالقصاص والحدود ومعاقبة المجرمين ، وسائر العقوبات والتعازير ، وإن ترتب عليها ضرر بهم ، لأن فيها عدلاً ودفعاً لضرر أعم وأعظم ، ولأن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح ، ولأنها لم تشرع في الحقيقة إلا لدفع الضرر أيضاً. والمقصود بمنع الضرار هو نفي الازدياد في الضرر الذي لا يفيد سوى التوسع في دائرته ، لأن الإضرار ، ولو على سبيل المقابلة ، لا يجوز أن يكون هدفاً مقصوداً ، وطريقاً عاماً ، وإنما يلجأ إليه اضطراراً عندما لا يكون غيره من طرق التلافي والقمع أنفع منه ، وقد ثبتت فروع فقهية كثيرة وشرعت توقياً من وقوع الضرر.
شمول هذه القاعدة لأبواب الفقه
يشمل تطبيق هذه القاعدة ، أو هذا المبدأ ، كثيراً من أبواب الفقه ، أهمها :
1 - الرد بالعيب ، لإزالة الضرر عن المشتري.
2 - الخيارات ، كخيار الشرط ، واختلاف الوصف المشروط ، والتغرير ، وإفلاس المشتري.
3 - الحجر بأنواعه ، للمحافظة على مال غير القادر على التصرف السليم ، ولحماية الغرماء.
4 - الشفعة التي شرعت للشريك لدفع ضرر القسمة ، وللجار لدفع ضرر الجار السوء.
5 - القصاص ، لدفع الضرر عن أولياء القتيل.
6 - الحدود ، لدفع الضرر عن المجتمع ، وعمن لحق به الضرر.
7 - الكفارات ، لإزالة سبب العصية.
8 - ضمان المتلف ، لإزالة الضرر اللاحق بمن أتلف له.
9 - القسمة ، لرفع الضرر عن أحد الشريكين أو كليهما.
10 - نصب الأئمة والقضاة ، لمغ الضرر عن الأمة ، ليقيموا الحدود ، ويمنعوا الجرائم ، ويستأصلوا شأفة الفساد .

11 - دفع الصائل عن النفس والعرض والمال ، لإبعاد ضرره.
12 - قتال المشركين ، لنشر الدعوة وإظهار الحق ، ودحر فتنة الباطل ، وصدّ الدعاة.
13 - فسخ النكاح بالعيوب ، أو الإعسار ، أو الإضرار ، لإزالة الضرر عن الزوج أو الزوجة.
وفروع هذه الأبواب والمسائل كثيرة ، ونذكر بعض التطبيقات لها.
التطبيقات
1 - من أتلف مال غيره مثلاً لا يجوز أن يقابل بإتلاف ماله ، لأن ذلك توسيع للضرر بلا منفعة ، وأفضل منه تضمين المتلِف قيمة المتلَف ، فإنه فيه نفعاً بتعويض المضرور ، وتحويل الضرر نفسه إلى حساب المعتدي. لأن مقابلة الإتلاف بالإتلاف لا تنفع المعتدى عليه ، ولا تعوض عليه قيمة
ضرره ، وفي الوقت نفسه لا ترح المعتدي ، لأنه سيان عنده إتلاف ماله أو إعطاؤه للمضرور لترميم الضرر الأول ، فأصبحت مقابلة الضرر بالضرر ، والإتلاف بالإتلاف مجرد حماقة ليس إلا.
2 - لو أعار أرضاً للزراعة ، أو آجرها لها ، فزرعها المستعير أو المستأجر ، ثم رجع المعير ، أو انتهت مدة الإجارة ، قبل أن يستحصد الزرع ، فإنها تترك في يد المستعير أو المستأجر بأجر المثل إلى أن يستحصد الزرع ، توقياً من تضرره بقلع الزرع قبل أوانه ، وهو بقل.
3 - لو باع لآخر شيئاً مما يسرع إليه الفساد كالفواكه مثلاً ، وغاب المشتري قبل قبضه وقبل نقد الثمن ، وأبطأ وخيف فساد المبيع ، فللبائع أن يفسخ البيع ، ويبيع من غيره توقياً من تضرره بفساده ، دفعاً لضرره ، ولا يرجع على المشتري بشيء لو نقص الثمن الثاني عن الأول.

4 - يجوز حبس المشهورين بالدعارة والفساد ، حتى تظهر توبتهم ، ولو لم يثبت عليهم جرم معين قضائياً ، دفعاً لشرهم ، لأنهم قد يحتاطون ويتحفظون ، فيملؤون الأرض فساداً ، ولا يمكن إثبات شيء عليهم بطريق القضاء. دفعاً لضررهم عن العباد بعد استفاضة دعارتهم.
5 - اتخاذ السجون ، وجعلها مضجرة ، حتى يعلم أهل الفساد والدعارة أن مثل هذا السجن واقف لهم بالمرصاد ، فيرتدعوا ، ويكفوا عن أذى الناس ، كما أن السجن يقي المجرم من إضرار الحاكم به إذا عاقبه في وقت غضبه من جرمه ، فيرفعه إلى الحبس ريثما يسكن غضبه فيعاقبه حينئذٍ بما يستحقه من العدل.
6 - شرع خيار الشرط وخيار الرؤية ، لدفع الضرر عن المشتري وحاجته إلى التروي لئلا يقع في ضرر الغبن ، أو بدفع الضرر بدخول ما لا يلائمه في ملكه.
7 - شرع الحجر توقياً من وقوع الضرر العائد تارة لذات المحجور ، وتارة لغيره ، فإن من وجب حجره إذا ترك بدون حجر يضر بنفسه ، وقد يضر بغيره.
8 - شرعت الشفعة توقياً من ضرر جار السوء.
9 - يجبر الشريك على العمارة إذا كان وصي يتيم ، أو متولي وقف ، وعند ضرورة تعذر القسمة ، توقياً من تضرر الصغير والوقف والشريك عند تداعي العقار للخراب.
10 - يحبس الموسر إذا امتنع عن الإنفاق على أولاده أو قريبه المحرم ، ويجوز ضربه في الحبس إذا أصر على الامتناع ، توقياً من وقوع الضرر بأولاده أو قريبه الفقراء ، ببقائهم بلا نفقة.
11 - تمنع الظئر من فسخ الإجارة ولو حدث لها في أثناء مدة الإجارة عذر يسوغ لها فسخ الإجارة ، إذا كان الصغير لم يعد يأخذ ثدي غيرها ، ولم يستغن بالطعام ، توقياً من حصول ضرر للصغير. وكذا إذا انتهت مدة الإجارة للظئر ، والصغير لا يأخذ ثدي غيرها ، ولم يستغن بالطعام ، فإنها تجبر على إرضاعه بأجر المثل توقياً من ضرر الصغير.
12 - مشروعية الخيار للبائع في فسخ البيع إذا كان يتضرر في غير ما باعه ، كما لو باع جذعاً مثلاً من سقف ، أو باع حصة شائعة من زرع مملوك له غير مستحصد ، وطالبه المشتري بالقسمة قبل استحصاد الزرع توقياً من تضرره فيما لم يبعه ، وهو بقية الزرع ، إذ لا تمكن القسمة إلا بقلع الكل.
13 - لو اشترى شيئاً فآجره ، ثم اطلع على عيب قديم فيه ، فله نقض الإجارة ليرده بالعيب ، لأن الإجارة تفسخ بالأعذار.
14 - لو أعار شيئاً ليرهنه المستعير ، فرهنه بدين عليه ، ثم أراد المعير استرداده ، فله أن يدفع الدين للمرتهن ويأخذ العين المرهونة ، ولا يعد متبرعاً ، بل يرجع بما دفع على الراهن المستعير ، وكذا لو رهن الأب بدين عليه مال ولده الصغير الذي تحت ولايته ، فبلغ الصغير ، فله أن يقضي دين أبيه ، ويفك الرهن ، ولا يكون متبرعاً ، بل يرجع على أبيه بجميع ما قضاه عنه، لدفع ضرر حبس ملكه عنه.
15 - لو باع الموجر المأجور من أجنبي بإذن المستأجر ، وغاب البائع ، فأدىالمشتري من الثمن بدل الإجارة للمستأجر ليسلم له المبيع المستأجر ، لا يكون المشتري متبرعاً ، لأنه مضطر للأداء في حال غيبته ، لتخليص ملكه.
16 - إذا وجد المستأجر بالمأجور عيباً قديماً ، أو حدث فيه عيب وهو في يده ، فإنه يستقل بفسخ الإجارة إذا أراد ، بلا حاجة إلى رضا المؤجر أو قضاء القاضي ، سواء في ذلك أكان قبل قبض المأجور أم بعده ، لأنه لو كلف انتظار رضا المؤجر أو قضاء القاضي لتفرر بجريان الأجرة عليه في أثناء ذلك. فدفعاً للضرر عنه كان له الانفراد بالفسخ.
17 - لو أمر غيره بشراء شيء معلوم بألف مثلاً ، فشراه ولم يقبضه ولم يدفع الثمن إلى البائع حتى أعطى الآخر الثمن للمأمور ليدفعه إلى البائع ، فأتلف المأمور الثمن وهو معسر ، فللبائع أن يحبس المبيع إلى أن يأخذ الثمن ، فإذا دفع الآخر الثمن إلى البائع كان عليه أن يسلمه المبيع ، وللآخر أن يرجع على المأمور بالثمن ، لأنه مضطر في قضائه ، فهو كمصير الرهن.
18 - لو اشترى اثنان شيئاً قيمياً ، وغاب أحدهما ، فللحاضر دفع كل ثمنه وقبضه وحبسه عن شريكه إذا حضر حتى ينقد له الثمن لحصته ؛ لأنه مضطر ، ويجبر البائع على قبول كل الثمن من الحاضر ، ودفع كل المبيع له ، لدفع ضرر حبس ملكه عنه. أما إذا كان المبيع مثلياً كالبرِّ ونحوه مما يمكن قسمته فلا جبر على دفع الكل ، بل يقسم ويأخذ الحاضر حصته منه.
19 - إذا استقرض بالمرابحة إلى أجل معلوم ، ثم حل الذين بموت المدين ، أو وفاة المديون قبل حلول الأجل ، فليس للدائن من المرابحة إلا بقدر ما مضى من الأيام.
20 - يبطل إقرار ذي اليد لشخص ثالث بالعين المدعى بها قبل الحكم بعد أن أقام المدعي شاهداً واحداً أو شاهدين ، ويبطل بيعه العين المدعى بها من شخص ثالث بعد أن برهن عليه المدعي قبل أن يحكم له ، وذلك دفعاً لضرر هذا الإقرار ، وضرر هذا البيع من ذي اليد على المدعي.


رد مع اقتباس
(#2)
قديم
أفاق : الاداره
مراقب
مراقب
 
رد: القواعد الفقهية الأساسية للشريعة الإسلامية - 09-29-2012, 08:29 PM

21 - إذا أحدث الغاصب في العين المغصوبة ما يقطع حق المالك في استردادها ، كما لو كان المغصُوب قماشاً فقطعه وخاطه ثوباً ، أو كان حديداً فصنعه سلاحاً مثلاً ، أو كان نحاساً فصنعه آنية ، ثم مات الغاصب ، أو حجر عليه ، وكان له غرماء ، فإن المالك يجعل أحق بالعين المغصوبة من سائر الغرماء حتى يأخذ حقه منها. وإذا هلكت هذه العين المحبوسة لحق المغصوب منه ، قبل أن يستوفي منها حقه فتكون مضمونة على الغاصب ، ولا تكون مضمونة على المغصوب منه ضمان الرهن ، وإن كانت محبوسة لحقه ، دفعاً للضرر عن المغصوب منه.
22 - إذا قال لآخر : بايع فلاناً ، وما بعته فعلي ، كان كفيلاً بثمن ما يبيعه إياه ، ولكن له أن يرجع عن هذه الكفالة قبل أن يبايعه ، فإذا قال للمكفول له : رجعت عن كفالتي ، بطلت ، وذلك لما عساه يلحقه من الضرر من هذه الكفالة ، إذ المرء لا يجبر على تحمل الضرر ، وإن رضي به ، وليس في رجوعه قبل المبايعة ضرر على المكفول له.
23 - لا يحق للوكيل بشراء شيء معين أن يشتريه لنفسه من غير أن يُعلم الموكل بأنه يريد أن يشتريه لنفسه ، وذلك دفعاً للضرر عن الموكل ، إذ عساه أن يتضرر من عدم الحصول على مقصوده ، ليسد حاجته.
24 - يمنع شراء الحبوب صهاخراجها من بلدة يضر بأهلها ، لأن أهل البلدة يمنعون من الشراء للحكرة ، وهذا أولى.
25 - لا تجوز شهادة العدو على عدوه إذا كانت العداوة دنيوية ، ويجب فسخ حكم الحاكم إذا كان بين المحكوم عليه والحاكم ، أو بينه وبين ابنه ، أو بينه وبين أبويه ، عداوة دنيوية بينة ، لئلا يصل إلى المشهود عليه ، أو المحكوم عليه ، ضرر من هذه العداوة ، لأنها تحمل الشاهد على المجازفة في شهادته ، وتحمل الحاكم على التحامل عليه غالباً.
26 - إن المدعي إذا انكشف للحاكم أنه مبطل في دعواه ، أي يعمد البُطل فيها ، فإنه يؤدبه ، وأقل ذلك الحبس ، ليندفع بذلك أهل الباطل واللدد.
27 - لا يصح عزل الوكيل ببيع الرهن ، فيما لو وكله ببيعه وإيفاء الدين من ثمنه إذا لم يؤدّ الدين عند حلول الأجل ، ولا يصح عزل وكيل الخصومة إذا كان توكيله بطلب المدعي عند إرادة المدعى عليه السفر ، لأن عزل الوكيل في الصورتين يضر بحق المرتهن ، وبحق المدعي ، ومثله إذا اشترى شيئاً بخيار للمشتري ، وأخذ وكيلاً من البائع ليردَّ عليه المبيع بحكم الخيار إذا غاب البائع ، فلا يملك الموكل عزله ؛ لأن عزله يضر بالمشتري.
28 - لو كانت الفلوس (وهي المتخذة من غير النقدين ، وجرى الاصطلاح على استعمالها استعمال النقدين) النافقة ثمناً في البيع ، أو كانت قرضاً (مما يثبت بالذمة)

فغلت أو رخصت بعد عقد البيع ، أو بعد دفع مبلغ القرض ، فعد أبي يوسف تجب عليه قيمتها يوم عقد البيع ، ويوم دفع مبلغ القرض ، ورجحه الكثيرون ، دفعاً للضرر عن المشتري والمستقرض ، وأوجبوا قيمتها كذلك في صورة ما إذا كسدت ، دفعاً للضرر على البائع والمقرض. ويظهر أن الورق النقدي معتبر من الفلوس الرائجة ، وما قيل فيها من الأحكام السابقة ، يقال فيه ، ومن يدعي تخصيص الفلوس النافقة بالمتخذ من المعادن فعليه البيان. أما لو كانت الفلوس النافقة معقوداً عليها ومدفوعة في عقد تعتبر فيه أمانة في يد القابض كالمضاربة ، فالمضارب يسترد مثل رأس ماله لا غير ، من غير نظر إلى غلاء أو رخص ، أو يأخذ قيمة رأس ماله عند القسمة بقيمته يوم القسمة لا يوم الدفع.
29 - لا يجوز تلقي السلع قبل أن تجيء إلى السوق ، لما فيه من تغرير البائع ، فإنه لا يعرف السعر ، فيشتري منه المشتري بدون القيمة.
30 - ليس لأهل السوق أن يبيعوا المماكس (الذي ينقص الثمن) بسعر ، ويبيعوا المسترسل الذي لا يماكس ، أو من هو جاهل بالسعر ، بأكثر من ذلك السعر ، لما فيه من ضرر المشترين.
31 - الاحتكار لما يحتاج الناس إليه محرم ، وذلك أن المحتكر يعمد إلى شراء ما يحتاج إليه الناس من الطعام ، فيحبسه عنهم ، ويريد إغلاءه عليهم ، وهو ظالم للخلق المشترين ، مضار لهم.
32 - لولي الأمر أن يكره الناس على بيع ما عندهم بقيمة المثل عند ضرورة الناس إليه ، مثل من عنده طعام لا يحتاج إليه ، والناس في مخمصة ، فإنه يجبر على بيعه للناس بقيمة المثل ، لمنع الضرر.
33 - إذا احتاج الناس إلى صناعة ، مثل أن يحتاجوا إلى فلاحة قوم ، أونساجتهم ، أو بنايتهم ، فإنه يصير هذا العمل واجباً عليهم ، ويجبرهم ولي الأمر عليه إذا امتنعوا عنه بعوض المثل ، ولا يُمكِّن الناس من ظلمهم بأن يعطوهم دون حقهم ، وهذا من التسعير الواجب ، لمنع الضرر.
34 - تثبت الشفعة فيما يقبل قسمة الإجبار (وهو ما يمكن قسمته دون ضرر) باتفاق الأئمة ، وكذلك تئبت فيما لا يقبل القسمة على القول الصحيح ؛ لأن الشفعة شرعت لتكميل الملك على الشفيع ، لما في الشركة من الضرر ، فإذا ثبتت فيما يقبل القسمة ، فما لا يقبل القسمة أولى بثبوت الشفعة فيه ، لأن الضرر فيما يقبل القسمة يمكن رفعه بالمقاسمة ، وما لا يمكن فيه القسمة يكون ضرر المشاركة فيه أشد ، فتشرع الشفعة لرفع الضرر..
35 - قسمة العين المشتركة إذا لم يكن تفريقها وتبعيضها مضراً بأحد الشركاء فهي قابلة للقسمة ، ولا تجري القسمة (الجبرية) في العين المشتركة إذا كان تبعيضها وقسمتها يضر بكل واحد من الشركاء (الندوي 2/ 154 عن مجلة الأحكام العدلية ، وعن الباجي المالكي).
المستثنى
يجوز معاقبة المجرمين ، وإن ترتب على العقوبة ضرر بهم ، لأن فيها عدلاً ، ودفعاً لضرر أعم وأعظم. ولذلك يرد قيد على القاعدة وهو نفي الضرر إن كان بغير حق.

القاعدة الأساسية الرابعة : المشقة تجلب التيسير:
التوضيح
إن المشقة تجلب التيسير لأن فيها حرجاً وإحراجاً للمكلف ، والحرج مرفوع شرعاً بالنص ، وممنوع عن المكلف. والأصل في هذه القاعدة قوله تعالى : (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) ، وقوله تعالى : (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ). وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : "إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه " وفي لفظ " رُفع عن أمتي " رواه (بن ماجة عن ابن عباس ، وقال عليه الصلاة والسلام : " بُعثت بالحنيفية السمحة" أي السهلة ، أخرجه الإمام أحمد ، وقال أيضاً : "إنما بُعثتم مُيَشرين ، ولم تبعثوا مُعَسِّرين " رواه البخاري وأبو داود وغيرهما عن أبي هريرة وغيره ، وقال أيضاً : " إن دين الله يسر ثلاثاً" رواه الإمام أحمد وقالت السيدة عائشة رضي الله عنها : "ما خُير رسول الله - صلى الله عليه وسلم – بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثماً " رواه البخاري ومسلم. والأحاديث في ذلك كثيرة. ويشترط في المشقة التي تجلب التيسير أمور ، وهي :
1 - ألا تكون مصادمة لنص شرعي ، فإذا صادمت نصاً روعي دونها.
2 - أن تكون المشقة زائدة عن الحدود العادية ، أما المشقة العادية فلا مانع منها لتأدية التكاليف الشرعية ، كمشقة العمل ، واكتساب المعيشة.
3 - ألا تكون المشقة مما لا تنفك عنها العبادة غالباً كمشقة البرد في الوضوء ، والغسل ، ومشقة الصوم في شدة الحر وطول النهار ، ومشقة السفر في الحج.
4 - ألا تكون المشقة مما لا تنفك عنها التكاليف الشرعية كمشقة الجهاد ، وألم الحدود ، ورجم الزناة ، وقتل البغاة والمفسدين والجناة. فهذه المشقات الأربع : لا أثر لها في جلب التيسير ولا التخفيف ، لأن التخفيف عندئذ إهمال وتضييع للشرع. وهذه القاعدة تعتبر من القواعد الكبرى المتفق عليها في كل المذاهب ، ولذلك قال العلماء : يتخرج على هذه القاعدة جميع رخص الشرع وتخفيفاته. وقال السيوطي : "فقد بان أن هذه القاعدة يرجع إليها غالب أبواب الفقه " .

التطبيقات
إن أسباب التخفيف في المشقة التي تجلب التيسير سبعة أنواع ، نذكر كل نوع وبعض الأمثلة له.

أولاً السفر ، وتيسيراته كثيرة ، منها :
1 - جواز تحميل الشهادة للغير في غير حد ولا قود.
2 - جواز بيع الإنسان مال رفيقه وحفظ ثمنه لورثته بدون ولاية ولا وصاية إذا مات في السفر ولا قاضي ثمة.
3 - جواز فسخ الإجارة بعذر السفر.
4 - جواز تزويج الولي الأبعد للصغيرة عند عدم انتظار الكفء الخاطب استطلاع رأي الولي الأقرب المسافر.
5 - جواز إنفاق المضارب على نفسه في السفر من مال المضاربة.
6 - جواز كتابة القاضى إلى القاضي في بلد المدعى عليه شهادة شهود المدعي عنده.
7 - جواز الإفطار في رمضان للمسافر.
8 - سقوط صلاة الجمعة عن المسافر.
9 - قلة عدالة الشهود وقبول الأمثل فالأمثل في السفر.
10 - جواز قصر الصلاة الرباعية في السفر.

11 - جواز المسح على الخفين أكثر من يوم وليلة في السفر.
12 - جواز أكل الميتة للضرورة في السفر.

13 - جواز الجمع بين الصلاتين في السفر.
14 - جواز التنفل على الدابة في السفر.
15 - جواز التيمم للصلاة في السفر عند فقد الماء.
ثانياً : المرض ، وتيسيراته كثيرة ، منها :
1 - جواز تحميل الشهادة ، كما مر في السفر.
2 - تأخير إتامة الحد على المريض إلى أن يبرأ ، غير حد الرجم.
3 - عدم صحة الخلوة مع قيام المرض المانع من الوطء ، سواء كان في الزوج أم في الزوجة.
4 - جواز تأخير الصيام في شهر رمضان للمرض.
5 - قلة عدالة الشهود ، وقبول الأمثل فالأمثل بسبب المرض.
6 - جواز التيمم عند مشقة استعمال الماء.
7 - عدم الكراهة في الاستعانة بمن يصب عليه أو يغسل أعضاءه.
8 - جواز القعود في صلاة الفرض وخطبة الجمعة وفي النافلة مطلقاً.

9 - جواز الاضطجاع في الصلاة والإيماء فيها والجمع بين الصلاتين في وجه اختاره المحققون .
10 - جواز التخلف عن الجمعة ، والجماعة ، مع حصول الفضيلة.
11 - جواز الخروج من المعتكف ، وقطع التتابع المشروط في الاعتكاف.
12 - جواز الاستنابة في الحج ، وفي رمي الجمار ، وإباحة محظورات الإحرام مع الفدية.
13 - جواز التداوي بالنجاسات ، وإباحة النظر للعلاج حتى للعورة والسوءتين.
ثالثاً : الإكراه :

وهو التهديد ممن هو قادر على الإيقاع بضرب مبرح ، أوبإتلاف نفس أو عضو ، أو بحبس أو قيد مَدِيدَين مطلقاً ، أو بما دون ذلك لذي جاه ، ويسمى إكراهاً ملجئاً ، وبما يوجب غماً يعدم الرضا ، وما كان بغير ذلك يسمى غير ملجئ. وهو بقسميه إما أن يكون في العقود ، أو في الإسقاطات ، أو في المنهيات. والعقود والإسقاطات إما أن يؤثر فيها الهزل أو لا ، والمنهيات إما أن تكون مما يباح عند الضرورة أو لا ، وما لا يباح عند الضرورة إما أن يكون جناية على الغير كقتل محقون الدم ، أو قطع عضو محترم ، أو لا يكون جناية على الغير كالردة ، ويكون تأثير الإكراه كما فى :
1 - العقود والإسقاطات التي يؤثر فيها الهزل ، كالبيع والإجارة والرهن والهبة والإقرار والإبراء يؤثر فيها الإكراه ، فإذا أكره عليها بملجئ أو بغير ملجئ ففعلها ، ثم زال الإكراه ، فله الخيار ، إن شاء فسخ وإن شاء أمضى.
2 - العقود والإسقاطات التي لا يؤثر فيها الهزل ، كالنكاح والطلاق والعفو عن دم العمد ، فلا تأثير للإكراه فيها ، فلا خيار للمكرَه بعد زوال الإكراه ، بل هي ماضية على الصحة ، ولكن له أن يرجع على المكرِه له على الطلاق ، فلو كانت الزوجة هي المكرِهة سقط المهر عن الزوج.
3 - المنهيات التي تباح عند الضرورة ، كإتلاف مال الغير ، وشرب المسكر ، فإنها تحلّ بل تجب بالملجئ ، لا بغير الملجئ ، وضمان المال المتلف على المكرِه.
4 - المنهيات التي لا تباح عند الضرورة ، وهي جناية على الغير كالزنى والقتل ، فإنها لا تحل حتى بالإكراه الملجئ ، ولو فعلها فموجبها القصاص على المكرِه بالكسر.
5 - المنهيات التي ليست جناية على الغير ، وليست في معنى الجناية ، وهي الردة ، فإنه يرخص له أن يجري كلمتها على لسانه ، وقلبه مطمئن بالإيمان ، وُيوَرِّي وجوباً إن خطر بباله التورية ، فإن لم يُورِّ يكفر وتبين زوجته.
رابعاً : النسيان :

وهو عدم تذكر الشيء عند الحاجة إليه ، واتفق الفقهاء على أنه مسقط للعقاب والإثم ، للحديث السابق ، وهو مشقة تجلب التيسير ، فمن ذلك :
1 - إذا وقع النسيان فيما يوجب عقوبة كان شبهة في إسقاطها.

2 - إذا نسي المدين الدَّين حتى مات ، والدين ثمن مبيع أو قرض ، لم يؤاخذ به ، بخلاف ما لو كان غصباً.
3 - من جامع في نهار رمضان ناسياً للصوم فلا كفارة عليه ، ولا يبطل صومه.
4 - من سلم من ركعتين ناسياً وتكلم عامداً لظنه إكمال الصلاة فلا تبطل صلاته.
خامساً : الجهل :

وهو عدم العلم ممن شأنه أن يعلم ، وهو قد يجلب التيسير. ويسقط الإثم ، ومن تيسيراته :
1 - لو جهل الشفيع بالبيع فإنه يعذر في تأخير طلب الشفعة.
2 - لو جهل الوكيل أو القاضى بالعزل ، أو المحجور بالحجر ، فإن تصرفهم صحيح إلى أن يعلموا بذلك.
3 - لو باع الأب أو الوصي مال اليتيم ، ثم ادعى أن البيع وقع بغبن فاحش. وقال : لم أعلم ، تقبل دعواه.
4 - لو جهلت الزوجة الكبيرة أن إرضاعها لضرتها الصغيرة مفسد للنكاح ، فلا نضمن المهر.
5 - إذا قضى الوكيل بقضاء الدين بعد ما وهب الدائن الدين من المديون ، جاهلاً بالهبة ، لا يضمن.

6 - لو أجاز الورثة الوصية ، ولم يعلموا ما أوصى به الميت ، لا تصح إجازتهم.
7 - لو كان في المبيع ما يشتبه على الناس كونه عيباً ، واشتراه المشتري عالماً به ، ولم يعلم أنه عيب ، ثم علم أنه عيب ، فإن له ردّه ، ولا يُعَدُّ اطّلاعه عليه حين الشراء رضاً بالعيب.
8 - العفو عن التناقض في الدعوى فيما كان سبجه خفياً ، كالتناقض في النسب والطلاق ، كما لو ادعى أحد على آخر أنه أبوه ، فقال المدعى عليه : إنه ليس ابني ، ثم قال : هو ابني ، يثبت النسب ، لأن سبب البنوة العلوق منه ، وهو خفي.
9 - لو اختلعت المرأة من زوجها على بدل ، ثم ادَّعت أنه كان طلقها ثلاثاً قبل الخلع ، وبرهنت ، فإنها تسترد البدل ، ويغتفر تناقضها الواقع في إقدامها على الاختلاع ، ثم دعواها الطلاق ، لأن الطلاق فعل الغير ، فإن الزوج يستبد به بدون علمها ، فكانت معذورة.
10 - من أسلم في دار الحرب ، ولم تبلغه أحكام الشريعة ، فتناول المحرمات جاهلاً حرمتها ، فهو معذور.
11 - من أتى بمفسد للعبادة جاهلاً كالأكل في الصلاة والصوم فلا تفسد العبادة.
12 - إذا فعل ما ينافي الصلاة من كلام قليل وغيره جاهلاً بالحكم لم تفسد صلاته.
13 - إذا فعل ما ينافي الصوم كالجماع جاهلاً بالحكم لم يفسد صومه.
14 - من ابتدأ صيام شهرين يجب تتابعهما ، ككفارة الظهار أو القتل ، تتخللهما أيام الأضحى جاهلاً أن تخلل أيام الأضحى يفسد التتابع ، فإنه يفطرها ويقضيها متصلة بصومه في الصحيح عند المالكية.

سادساً : العسر وعموم البلوى:

والعسر أي عسر تجنب الشيء (البلوى هي الاختبار بالخير أو الشر ، وعموم البلوى هو الحرج الذي لا قدرة للإنسان في التخلص منه) ، وله تيسيرات:
1 - تجويز بيع الوفاء والمزارعة والمساقاة والسلم والإجارة على منفعة غير مقصودة ، لعدم تحقق العسر والبلوى.
2 - إباحة نظر الطبيب ، والشاهد ، والخاطب ، للأجنبية.
3 - العفو عما يدخل بين الوزنين في الربويات.
4 - جواز الصلاة مع النجاسة المعفو عنها كدم القروح والدماميل والبراغيث والقيح والصديد وطين الشارع.
5 - العفو عن أثر نجاسة عَسُر زواله.
6 - العفو عن زَرْق الطيور إذا عم في المساجد والمطاف.
7 - العفو عما لا يدركه الطرف ، وما لا نفس له سائلة ، وريق النائم. ومن أمثلة اليسر والتخفيف بسبب العسر وعموم البلوى ما يلي :
1 - جواز كثير من العقود ؛ لأن لزومها يشق ، ويكون سبباً لعدم تعاطيها.
2 - إباحة النظر عند الخطبة والتعليم ، وعند الإشهاد والمعاملة.
3 - إباحة نكاح أربع نسوة تيسيراً على الرجال والنساء أيضاً لكثرتهن.

4 - مشروعية الطلاق ، لما في البقاء على الزوجية من المشقة عند التنافر.
5 - مشروعية الكفارة في الظهار واليمين تيسيراً على المكلفين.
6 - مشروعية التخيير بين القصاص والدية تيسيراً على هذه الأمة.
7 - مشروعية الكتابة ليتخلص العبد من الرق.
8 - مشروعية الوصية عند الموت ليتدارك الإنسان ما فرط منه في حالة الحياة.
9 - إسقاط الإثم عن المجتهدين في الخطأ والتيسير عليهم بالاكتفاء بالظن.
سابعاً : النقص :

وهو ضد الكمال ، فإنه نوع من المشقة يتسبب عنها التخفيف ، إذ النفس مجبولة على حب الكمال وكراهة النقص ، فشرع التخفيف في التكاليف عند وجود النقص كعدم تكليف الصبي ، والمجنون ، وعدم تكليف النساء بكثير مما يجب على الرجال ، وفيه أمثلة :
1 - الصغر والجنون يجلبان التخفيف لعدم تكليفهما أصلاً فيما يرجع إلى خطاب التكليف في الوجوب والحرمة.
2 - الأنوثة سبب للتخفيف ، بعدم تكليف النساء بكثير مما كلف به الرجال ، كالجهاد ، والجزية ، وتحمل الدية إذا كان القاتل غيرها ، والجمعة ، وإباحة لبس الحرير ، وحلي الذهب.
3 - عدم تكليف الأرقاء بكثير مما على الأحرار ، ككونه على النصف من الحر في الحدود والعدة.

ثامناً : الاضطرار :

كأكل الميتة عند من اضطره الجوع إليها ، وشرب جرعة من الخمر عند الغصة ، وسيرد المزيد من الأمثلة في قاعدة "الضرورات تبيح المحظورات".
المستثنى

1 - لا تأثير للنسيان على الحنث في التعليق ، فلو علق على فعل شيء ، ثم فعله ناسياً التعليق فإنه يقع ، كما لو علق الطلاق على دخوله بيتاً ، فدخله ناسياً فإنه يقع.
2 - إن التخفيف بسبب النقص لا يؤثر في خطاب الوضع ، وهو خطاب الله تعالى المتعلق بكون الشيء سبباً أو شرطاً أو مانعاً ، ولذلك يجب العشر والخراج فيما خرج من أرض الصغير والمجنون ، وتجب نفقة الزوجية والأقارب ، وضمان المتلفات في مالهما ، إلا ما قبضاه قرضاً أو وديعة أو عيناً اشترياها وتسلماها بدون إذن وليهما. فإنهما لا تلزمهما في الجميع ، لأنه مسلطان عليها بإذن المالك ، وكذلك تجب عليهما الدية في القتل ، وإقامة التعزير ، وهذا في السبب ، والقتل يمنع من الميراث ، ولو كان من غير مكلف عند الشافعية. وكذا في الشرط كما إذا عقد الصغير مع مثله عقداً فاقداً لشرط الصحة ، فإنه يعتبر فاسداً ، ويجب على الحاكم فسخه عليهما إن لم يفسخاه.
3 - ويستثنى من كون العقود جائزة ، لأن لزومها يشق ، ما لو تقاسم الورثة التركة ، ثم ادعى أحدهم أنها ملكه ، وأراد نقض القسمة ، لا تسمع دعواه. وكذاً لو باع شيئاً أو اشترى ، ثم ادَّعى أنه كان فضولياً عن شخص آخر ، ولم يقبل بعقده ، لا يسمع منه هذا الادعاء ، لأن في ذلك نقضاً لما تمَّ.

4 - ويستثنى من القاعدة ما له مساس بحق قاصر ، أو وقف ، أو بحقوق الجماعة ، فالغبن الفاحش مثلاً في بيع مال القاصر ، أو إيجار عقار الوقف لا ينفذ ، فلو باع الأب أو الوصي مال القاصر ، أو أجر المتولي عقار الوقف ، ثم ادّعوا وقوع غبن فاحش فيه تسمع الدعوى منهم. وكذا لو اشترى شخص أرضاً ، ثم ادعى بأن بائعها كان وقفها مسجداً أو مقبرة ، تسمع دعواه ، صيانةً لحقوق القاصرين والجماعة ، وإذا ثبت ذلك ينقض العقد. وهذا استثناء من قاعدة أخرى "من سعى في نقض ما تمّ من جهته فسعيه مردود عليه ".

القاعدة الأساسية الخامسة :العادة مُحَكَّمة
التوضيح
إن القاعدة تعني أن العادة عامة كانت أم خاصة تُجعل حكماً لإثبات حكم شرعي لم يُنص على خلافه بخصوصه ، فلو لم يرد نص يخالفها أصلاً ، أو ورد ولكن عاماً ، فإن العادة تعتبر. وأصل هذه القاعدة قول ابن مسعود ، رضي الله عنه : "ما رآه المسلمون حسناً فهو عند اللّه حسن ، وما رآه المسلمون قبيحاً فهو عند الله قبيح " وهو حديث موقوف حسن ، وإنه وإن كان موقوفاً عليه فله حكم المرفوع ، لأنه لا مدخل للرأي فيه. ورواه الإمام أحمد في (كتاب السنة) وأخرجه البزار والطيالسي والطبراني وأبو نعيم في (الحلية) والبيهقي في (الاعتقاد) عن ابن مسعود أيضاً. وعقد الإمام البخاري في كتاب البيوع ، باب من أجرى أمر الأمصار على ما يتعارفون بينهم في البيوع والإجارة والمكيال والوزن ، وسننهم على نياتهم ومذاهبهم المشهورة ، وقال شريح للغزالين : سنتكم بينكم ربحاً. وقال عبد الوهاب عن أيوب عن محمد : لا بأس ، العشرة بأحد عشر ويأخذ للنفقة ربحاً ، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لهند : (خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف ". وقال تعالى : (وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ) ، واكترى الحسن من عبد الله بن مرداس حماراً ، فقال : بكَم ؟ قال : بدانقين ، فركبه ، ثم جاء مرة أخرى ، فقال : الحمارَ الحمارَ ، فركبه ولم يشارطه ، فبعث إليه بنصف درهم أي كالأجرة السابقة التي تعارفا عليها). وساق البخاري رحمه الله تعالى ثلاثة أحاديث في ذلك ، وعقب عليها ابن حجر رحمه الله تعالى فقال : (مقصوده بهذه الترجمة إثباته الاعتماد على العرف ، وأنه يُقضى به على ظواهر الألفاظ". وقال النووي رحمه الله تعالى في فوائد حديث هند رضي الله عنها.
"ومنها اعتماد العرف في الأمور التي ليس فيها تحديد شرعي ". وحدد ابن النجار الفتوحي رحمه الله تعالى الضابط للرجوع إلى العرف والعادة ، فقال : وضابطه : كل فعل رُتب عليه الحكم ، ولا ضابط له في الشرع ، ولا في اللغة ، كإحياء الموات ، والحرز في السرقة ، والأكل من بيت الصديق ، وما يُعدُّ قبضاً ، وإيداعاً ، وإعطاء ، وهدية ، وغصباً ، والمعروف في المعاشرة ، وانتفاع المستأجر بما جرت به العادة ، وأمثال هذه كثيرة لا تنحصر". والعادة في اللغة مأخوذة من المعاودة ، بمعنى التكرار ، فهي بتكرارها ومعاودتها مرة بعد أخرى صارت معروفة مستقرة في النفرس والعقول ، متلقاة بالقبول من غير علاقة ولا قرينة حتى صارت حقيقة عرفية . والعادة أيضاً : هي الاستمرار على شيء مقبول للطبع السليم ، والمعاودة إليه مرة بعد أخرى ، وهي المرادة بالعرف العملي. والمراد بها حينئذ ما لا يكون مغايراً لما عليه أهل الدين والعقل المستقيم ، ولا منكراً في نظرهم ، والمراد من كونها عامة : أن تكون مطردة أو غالبة في جميع البلدان. ومن كونها خاصة : أن تكون كذلك في بعضها ، فالاطراد والغلبة شرط لاعتبارها سواء كانت عامة أو خاصة ، وهو ما جاء في القاعدة : "إنما تعتبر العادة إذا اطَّردت أو غلبت" وقاعدة "العبرةُ للغالب الشائع لا النادر" وإذا لم يرد نص مخالف يشملها فلا كلام في اعتبارها ، فقد نقل ابن عابدين أن العادة إحدى حجج الشرع فيما لا نص فيه ، ونقل أيضاً أن البناء على العادة الظاهرة واجب ، وهو ما قرره السرخسي والحصيري الحنفيان.أما إذا ورد فإما أن يكون نصاً في مخالفتها فلا كلام في اعتباره دونها مطلقاً ، عامة كانت أم خاصة ، لأن النص أقوى من العرف ، فالعمل بها حينئذ عبارة عن ردّ النص ورفضه للعادة ، وهو لا يجوز ، كتعارف الناس الكثير من المحرمات كشرب الخمر ، والربا ، وسفور المرأة وغيرها. وإما أن يكون عاماً ، ويكون المعتاد جزئياً من جزئياته ، وهنا يفرق بين حالتين ، إما أن تكون عامة فتصلح أن تكون مخصصة لعمومه اتفاقاً ، عملية كانت أم قولية. وإما أن تكون خاصة ، واختلف في أنها هل تصلح مخصصة للنص العام بالنسبة لمن اعتادها أم لا ، والمذهب أنها لا تصلح ، وعليه مشى أبو بكر البلخي وأبو جعفر الحنفي . ولكن أفتى كثير من مشايخ الحنفية في بلخ باعتبارها مخصصة بالنسبة لمن اعتادها ، وعليه فروع كثيرة أفتوا بجوازها ، كشراء الكتاب على شرط أن يَشْرُزَه ، والقفل على أن يسمره ، أو الفروة على أن يخيط بها الظهارة ، أو القبقاب على أن يضع له سَيْراً ، أو النعل على أن يُشرِكه ، فىِ محل تعارفوا فيه ذلك ، وغير ما ذكر مما لا يحصى من الفروع. وإذا كان الشرع يقتضي الخصوص ، واللفظ يقتضي العموم ، فالمعتبر الخصوص ، فلو أوصى لأقاربه ، لا يدخل الوارث اعتباراً لخصوص الشرع ، لكن هذا ليس بظاهر ، لأنه من قبيل مصادمة العمل للنص المخالف له بخصوصه ، وهو قوله عليه الصلاة والسلام : "لا وصية لوارث ". وإنما تعتبر العادة إذا كانت سابقة ، فلا عبرة بالعرف الطارئ. وعليه فلو كان الوقف سابقاً على ما تعورف من البطالة في الأشهر الثلاثة لا يعتبر ذلك العرف. وكذلك لو كان التعليق سابقاً على العرف فلا يقيد العرف لفظ التعليق المطلق. وللعادات والأعراف سلطان على النفوس ، وتحكم في العقول ، لهذا اعتبرت من ضروريات الحياة ، ولهذا قالوا : "العادة طبيعة ثانية" وفي نزع الناس من عاداتهم حرج شديد. والعرف قسمان : عام ، وخاص.
والعرف الخاص : هو ما كان مخصوصاً ببلد ، أو مكان دون مكان آخر ، أو بين فئة من الناس دون أخرى ، كعرف التجار فيما يُعَدّ عيباً ، وكعرفهم في بعض البلاد أن يكون ثمن البضاعة مقسطاً إلى عدد معلوم من الأقساط ، وغير ذلك .

والعرف العام : هو ما كان فاشياً في جيع البلاد بين الناس كالاستصناع في كثير من الحاجات واللوازم ، وكتأجيل جانب من مهور النساء في البلاد الإسلامية ، وغير ذلك.
والعرف إن صادم النص من كل الوجوه فهو العرف المردود كما سبق ، وإن لم يخالفه من كل وجه كان له تأثير في بناء الأحكام الشرعية عليه ، فيترك به القياس ، ويخصص به العام كدخول الحمام ، والاستصناع ، وغيرهما من المسائل الفقهية الكثيرة ، ولذلك قال ابن عابدين :
والعرف في الشرع له اعتبارُ . . . لذا عليه الحكمُ قد يُدار
والقاعدة المذكورة من جملة القواعد الخمس الأساسية ، ويتفرع عليها قواعد كثيرة ، وإن اعتبار العرف والعادة رجع إليه في الفقه في مسائل لا تعدّ كثرة ، وتعسر الإحاطة بها.
التطبيقات
1 - لو بعثه إلى ماشيته ، فركب المبعوث دابة الباعث ، برئ لو كان بينهما انبساط ، وإلا ضمن.
2 - يجوز التقاط الثمار التي يتسارع إليها الفساد من البساتين والرساتيق ، على المعتمد ، ما لم توجد دلالة المنع.

3 - اعتبار الكيل أو الوزن فيما تعورف كيله أو وزنه ، مما لا نص فيه من الأمور الربوية ، كالزيتون وغيره ، وأما ما نص عليه فلا اعتبار للعرف فيه عند الطرفين.
4 - اعتبار عرف الحالف أو الناذر إذا كان العرف مساوياً للفظ أو أخص ، فلو حلف لا يأكل رأساً ، أو لا يركب دابة ، أو لا يجلس على بساط ، لا يحنث برأس عصفور ، ولا بركوب إنسان ، ولا بجلوسه على الأرض ؛ لأن العرف خص الرأس بما يباع للأكل في الأسواق ، والدابة بما يركب عادة ، والبساط بالمنسوج المعروف الذي يفرش ويجلس عليه.
5 - أقل الحيض والنفاس والطهر ، وغالبها وأكثرها حسب العرف وعادة النساء.
6 - يجوز استعمال الذهب أو الفضة في الضئة إذا كانت قليلة ، وتحرم الكثيرة ، والضابط في القلة والكثرة العادة والعرف.
7 - الأفعال المنافية للصلاة إذا كانت قليلة فلا تؤثر ، وإن كانت كثيرة فتبطلها ، والعبرة في ذلك العادة والعرف.
8 - يُعفى عن النجاسات القليلة دون الكثيرة ، والعبرة في ذلك العرف والعادة .
9 - يجوز البناء في الصلاة في الجمع لفاصل قليل ، ويمنع الكثير ، وكذا في الخطبة ، والجمعة ، والعبرة في ذلك العرف والعادة.
10 - لا يؤثر الفاصل القليل بين الإيجاب والقبول ، ويؤثر الكثير ، والعبرة للعادة.
11 - لا قطع في السرقة إلا إذا أخذ المال من الحرز ، والعبرة في حرز المال العرف والعادة .

12 - إن العبرة في ردّ ظرف الهدية وعدمه للعرف والعادة.
13 - العبرة في الأموال الربوية بالوزن أو الكيل ، فيما جهل حاله في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه يراعى فيه عادة بلد البيع في الأصح.
14 - لا يجوز صوم يوم الشك إلا لمن كان له عادة في صوم مثله ، وذلك بحسب العادة.
15 - يحرم قبول القاضي للهدية ، إلا ممن له عادة في إهدائه.
16 - إذا اختلف الراهن والمرتهن في قدر الحق ، فالقول قول المرتهن إلى قيمة الرهن عند المالكية ، وقال أبو حنيفة والشافعي : القول قول الراهن من كل وجه ، واستند المالكية إلى قاعدة العرف والعادة ، بأن العرف يرجع إليه في التخاصم إذا لم يكن هناك ما هو أولى منه ، والعرف جار بأن الناس لا يرهنون إلا ما يساوي ديونهم أو يقاربها ، فمن ادعى خلاف ذلك فقد خرج عن العرف.
17 - إذا اختلف الواهب والموهوب له في الهبة ، هل هي للثواب ؟. (للمقابلة والعوض) فادّعى الواهب أنها للثواب ، وادّعى الموهوب له أنها ليست للثواب ، فيرجع حينئذ للفصل بينهما إلى العرف الجاري عندهم.
18 - اختلاف الزوجين في قبض المهر أو عدم قبضه ، فيحسم هذا الخلاف بالرجوع إلى العرف الجاري في بلدهما في هذه المسألة ، فإن كان العرف جارياً بأن الزوج ينقد الصداق قبل الدخول ، ثم اختلفا في قبضه بعد الدخول ، فالقول للزوج احتكاماً للعرف.
19 - الأجرة في دخول الحمام حسب العادة..
20 - العادة في ركوب سفينة الملاح أنها بأجرة ، وكذا العادة في أجرة الدابة .

21 - هدية المقترض جائزة إذا كانت العادة بها ، فإن كانت بعد الوفاء فهي جائزة على الأصح ، وإن كانت قبل الوفاء لم تجز إلا أن تكون العادة جارية بينهما به قبل القرض.
22 - يلزم حفظ الوديعة فيما تحفظ فيه عادة..
23 - الاستصناع ؛ أجازه جمهور الفقهاء ، لأنه تعارفه الناس ، وجرى عليه التعامل فجاز استحساناً مبنياً على العرف.
24 - بيع الوفاء : أجازه التأخرون من الحنفية من باب الاستحسان اعتباراً
للعرف ولحاجة الناس إليه فراراً من الربا ، ومنعه الجمهور.
25 - هدايا الخطبة التي يقدمها الرجل لخطيبته من الهدايا العينية وغير العينية ، المستهلكة وغير المستهلكة ، ثم يقع العدول عن الخطبة لسبب ما ، فقال بعض الفقهاء في أحكام الهدايا بالرجوع إلى العرف والعادة ، فإن كان العدول من الرجل فيمنع من استرداد ما أهداه إليها ، وإن كان العدول منها فله حق استرداد ما طدمه إليها إن كان قائماً بعينه ، فإن كان مستهلكاً استرد مثله أو قيمته ، ويرجع في ذلك إلى العرف ، ويتبع عادة الناس ما لم يكن هناك شرط.
26 - جواز وقف المنقول مستقلاً عن العقار إن جرى العرف بوقفه.
27 - الفعل الواحد يبنى بعضه على بعض مع الاتصال المعتاد ، ولا ينقطع بالتفرق اليسير ، كالوضوء ، والصلاة ، والسفر ، والطواف ، والأكل ، والرضاع ، والإخراج من الحرز.
28 - إن جواب السؤال يجري على حسب ما تعارف كل قوم في مكانهم ، كما أن السؤال والجواب يمضي على ما عمَّ وغلب ، لا على ما شذ وندر .

المستثننى
1 - العرف الزائد على اللفظ لا عبرة به ، كما لو قال لأجنبية : إن دخلتُ بكِ فأنتِ كذا ، فنكحها ودخل بها لا تطلق ، وإن كان يراد في العرف من هذا اللفظ دخوله بها عن ملك النكاح ؛ لأن هذه زيادة على اللفظ بالعرف ، والعرف لا يجعل غير الملفوظ ملفوظاً ، فقد قال الإمام محمد رحمه الله تعالى : "بالعرف يخصّ ، ولا يُزاد". لكن هذا إذا لم يجعل اللفظ في العرف مجازاً عن معنى آخر ، ولم يهجر المعنى الأصلي ، فإن هجرت حقيقته ، واستعمل في معناه المجازي ، كمسألة وضع القدم ، ففي مثلها يعتبر المعنى العرفي دون الحقيقي اللفظي.
2 - الموصي والواقف يحمل كلام كل على لغته وعرفه ، وإن خالف لغة الشرع وعرفه ، إلا في مسائل استثناها ابن نجيم في (الأشباه) فالعمل فيها على عرف الشرع. وهي : لو حلف لا يصلي ، أو لا يصوم ، أو لا ينكح فلانة وهي أجنبية ، فإنه لا يحنث إلا بالصلاة والصوم الشرعيين ، وفي النكاح بالعقد ، وهذا في الحقيقة لا استثناء فيه ، فإن العرف فيها موافق للشرع.
3 - قال الزركشي الشافعي رحمه الله تعالى : لم يعتبر الشافعي العادة في صورتين :

الأولى : استصناع الصناع الذين جرت عادتهم بأنهم لا يعملون إلا بأجرة. قال الشافعي : إذا لم يجر استئجار لهم لا يستحقون شيئاً.
الثانية : عدم صحة البيع بالمعاطاة على المنصوص ، وإن جرت العادة بعد الشافعي بفعل المعاطاة ، وإن كان المختار خلافه في الصورتين.
فالمعاطاة على أصل المذهب لا يصح البيع بها ، ولو اعتبرت ، ولكن النووي قال : المختار الراجح دليلاً الصحة ؛ لأنه لم يصح في الشرع اعتبار لفظ ، فوجب الرجوع إلى العرف كغيره. ومن أمثلة الحالة الأولى : أن يدفع ثوباً إلى خياط ليخيطه ، أو قصار ليقصره ، أو جلس بين يدي حلاق فحلق رأسه ، أو دخل سفينة بإذن ، وسار إلى الساحل ، فلا يستحقون شيئاً إذا لم يشرط عليه شيئاً من المال ، وإن جرت عادتهم بالعمل بالأجرة. والمختار خلافه كما قاله الشارح رحمه الله تعالى.

فوائد
يتعلق بقاعدة "العادة مُحكَّمة) عدة مباحث ، وهي :
المبحث الأول : فيما تثبت به العادة
وذلك يختلف ، فتارة تثبت بمرة ، كما في الاستحاضة ، وكما في زنى المبيع وإباقه وسرقته ، وكما في العادة في الإهداء للقاضي قبل الولاية. وتارة تثبت العادة بثلاث كالقائف. وتارة لا بدَّ من تكرار يغلب على الظن أنه عادة ، كالجارحة في الصيد لا بدَّ من تكراره حتى يحصل غلبة الظن بالتعليم ، وكاختبار الديك للأوقات ، كما قال الزركشي ، وكاختبار حال الصبي قبل البلوغ بالمماكسة في البيع ونحوه ، فيختبر حتى يغلب على الظن رشده.
المبحث الثانى في اطراد العادة
إنما تعتبر العادة إذا اطَّردت ، فإن اضطربت فلا ، وفي ذلك فروع ، منها : باع دراهم وأطلق ، نزل على النقد الغالب ؛ فلو اضطربت العادة في البلد وجب البيان ، وإلا يبطل البيع. ومنها : إذا غلبت المعاملة بجنس من العروض ، أو نوع منه. انصرف الثمن إليه عند الإطلاق في الأصح كالنقد .

المبحث الثالث في تعارض العرف مع الشرع
والمراد بالعرف عرف الاستعمال من الناس لشيء ، والمراد بالشرع لفظه ، بأنه ورد في الكتاب أو السنة ذلك الشيء فيه ، وتعارضهما على نوعين :
أحدهما : ألا يتعلق باللفظ الشرعي حكم ، فيقدم عليه عرف الاستعمال ، فلو حلف لا يأكل لحماً ، لم يحنث بالسمك ، وإن عاه الله لحماً ، أو حلف لا يجلس على بساط ، أو تحت سقف ، أو في ضوء سراج ، لم يحنث بالجلوس على الأرض وإن سماها الله بساطاً ، ولا تحت السماء ، وإن سماها الله سقفاً ، ولا في الشمس وإن سماها الله سراجاً ، أو حلف لا يضع رأسه على وتد ، لم يحنث بوضعه على جبل ، وإن سماه الله وتداً ، أو حلف ألا يأكل ميتة أو دماَ ، لم يحنث بالسمك والجراد ، والكبد والطحال. فقد سماها الرسول - صلى الله عليه وسلم - : ميتتان ودمان. فقدم العرف في جميع ذلك ؛ لأنها استعملت في الشرع تسمية بلا تعلق حكم وتكليف.
النوع الثاني : أن يتعلق به حكم ، فيقدم على عرف الاستعمال ، فلو حلف لا يصلي ، لم يحنث إلا بذات الركوع والسجود ، أو حلف لا يصوم لم يحنث بمطلق الإمساك ، أو حلف لا ينكح ، حنث بالعقد لا بالوطء ، أو قال : إن رأيتِ الهلال فأنت طالق ، فرآه غيرها ، وعلمت به طلقت حملاً له على الشرع ، فإنها فيه بمعنى العلم ، لقوله - صلى الله عليه وسلم - : "إذا رأيتموه فصوموا ". ولو كان اللفظ يقتضي العموم ، والشرع يقتضي التخصيص اعتبر خصوص الشرع في الأصح ، فلو حلف لا يأكل لحماً لم يحنث بالميتة ، أو أوصى لأقاربه لم تدخل ورثته ، عملاً بخصوص الشرع ، إذ "لا وصية لوارث " .

المبحث الرايع في تعارض العرف مع اللغة
نقل السيوطي وجهين في المقدَّم منهما :
أحدهما : المقدم الحقيقة اللفظية ، عملاً بالوضع اللغوي ، وإليه ذهب القاضي حسين.
والثاني : المقدم الدلالة العرفية ؛ لأن العرف يحكم في التصرفات لا سيما الأيمان ، وعليه البغوي ، فلو دخل دار صديقه ، فقدم إليه طعاماً ، فامتنع ، فقال : إن لم تأكل فامرأتي طالق ، فخرج ولم يأكل ، ثم قدم في اليوم الثاني ، فقدم إليه ذلك الطعام فأكل ، فعلى الأول لا يحنث ، وعلى الثاني يحنث. ونقل عن الرافعي في "الطلاق " : إن تطابق العرف والوضع فذاك ، وإن اختلفا فكلام الأصحاب يميل إلى الوضع ، فإمام الحرمين والغزالي يريان اعتبار العرف ، وقال في " الأيمان " ما معناه : إن عمت اللغة قدمت على العرف. وقال غيره : إن كان العرف ليس له في اللغة وجه ألبتّة فالمعتبرُ اللغة ، وإن كان له فيه استعمال ففيه خلاف ، وإن هجرت اللغة حتى صارت نسياً منسياً قُدِّم العرف. ومن الفروع المخرجة على ذلك : ما لو حلف لا يسكن بيتاً ، فإن كان بدوياً حنث بالمبني وغيره ؛ لأنه قد تظاهر فيه العرف واللغة ؛ لأن الكل يسمونه بيتاً ، وإن كان من أهل القرى فوجهان ، بناءً على الأصل المذكور ، فإن اعتبرنا العرف لم يحنث ، والأصح الحنث. ومنها : لو حلف لا يشرب ماء ، حنث بالمالح ، وإن لم يُعتد شربه ، اعتباراً بالإطلاق والاستعمال اللغوي. ومنها : حلف لا يأكل الخبز ، حنث بأكل خبز الأرز ، وإن كان من قوم لا
يتعارفون ذلك ؛ لإطلاق الاسم عليه لغة .

تنبيه أول
نقل السيوطي عن الشيخ أبي زيد المروزي (371 هـ) : لا أدري على ماذا بنى الشافعي رحمه الله تعالى مسائل الأيمان ، إن اتبع العرف فأهل القرى لا يعدون الخيام بيوتاً. قال الرافعي : الشافعي يتبع مقتضى اللغة تارة ، وذلك عند ظهورها وشمولها. وهو الأصل ، وتارة يتبع العرف إذا استمر واطرد. وقال العزُّ بن عبد السلام : قاعدة الأيمان البناء على العرف إذا لم يضطرب ، فإن اضطرب فالرجوع إلى اللغة.
تنبيه ثانٍ
إنما يتجاذب الوضع اللغوي والعرف في العربي ، أما العجمي فيعتبر عرفه قطعاً ؛ إذ لا وضع يحمل عليه ، فلو حلف على البيت بالفارسية لم يحنث ببيت الشعر ، ولو أوصى لأقاربه لم يدخل قرابة الأم في وصية العرب ، ويدخل في وصية العجم.
المبحث الخامس في تعارض العرف العام والعرف الخاص
والضابط : أنه إن كان الخصوص محصوراً لم يؤثر ، كما لو كانت عادة امرأة في الحيض أقل من عادة النساء ، كيوم دون ليلة ، ردَّت إلى الغالب في الأصح ، وقيل : تعتبر عادتها ، وإن كان الخصوص غير محصور اعتبر ، كما لو جرت عادة أهل بلد بحفظ مواشيهم نهاراً ، وإرسالها ليلاً ، فهل العبرة بالعرف الخاص أم بالغالب ؟ الأصح الأول ، وينزل ذلك منزلة العرف العام ، خلافاً للقفال ، ويقال مثل ذلك على حفظ السيارات اليوم بحسب البلدان .

المبحث السادس : العادة المطَّردة
هل تنزل العادة المطردة في ناحية منزلة الشرط أم لا ؟ وغالب الترجيح في الفروع أنها لا تنزل منزلة الشرط ، وفي ذلك صور :
1 - لو جرت عادة قوم بقطع الحصرم قبل النضج ، فهل تنزل عادتهم منزلة الشرط حتى يصح بيعه من غير شرط القطع ؛ الأصح لا. وقال القفال : نعم.
2 - لو عمَّ في الناس اعتياد إباحة منافع الرهن للمرتهن ، فهل ينزل منزلة شرطه حتى يفسد الرهن ؛ قال الجمهور : لا ، وقال القفال : نعم.
3 - لو جرت عادة المقترض بردّ زيادة مما اقترض ، فهل ينزل منزلة الشرط. فيحرم إقراضه ؟! الأصح لا.
4 - لو بارز كافر مسلماً ، وشرط الأمان ، لم يجز للمسلمين إعانة المسلم ، فلو لم يشرط ، ولكن اطردت العادة بالمبارزة بالأمان ، فهل هو كالمشروط ؛ الأصح نعم ، فهذه صورة مستثناة.
5 - ومثلها الأوقات ، فإن العادة فيها تنزل منزلة الشرط ، كما إذا اعتيد البطالة من المدرسين في الأشهر الثلاثة والأعياد ، أو اعتيد الاستنجاء والوضوء من المال المسبل للشرب.
المبحث السابع : العرف المقارن والسابق
العرف الذي تحمل عليه الألفاظ إنما هو المقارن السابق للتصرف ، دون المتأخر ، أي أن المعتبر هو العرف المقارن ، أي الذي كان موجوداً حال تكلم المتكلم ، حتى ينزل كلامه عليه ، إذ كان مأخذه سابقاً على وقت اللفظ ، دون العرف المتأخر . ومن الفروع المخرجة على ذلك ما تقدم في مسألة البطالة ، فإذا استمر عرفُ وقف بها في أشهر مخصوصة حمل عليه ما بعد ذلك ، لا ما وقف قبل هذه العادة.
المبحث الثامن : ضبط الأحكام في العرف والشرع
قال الفقهاء : كل ما ورد به الشرع مطلقاً ، ولا ضابط له فيه ، ولا في اللغة ؛ يُرْجَع فيه إلى العرف ، وذلك كالحرز في السرقة ، والتفرق في البيع لخيار المجلس إلى التفرق بالأبدان ، والقبض في العقود ، وإحياء الموات ، والتعريف في اللقطة ، والمسافة بين الإمام والمأموم. وقالوا في الأيمان : إنها تبنى أولاً على اللغة ، ثم على العرف ، وخَرَّجوا عن ذلك في مواضع لم يعتبروا فيها العرف ، مع أنها لا ضابط لها في الشرع ، ولا في اللغة.
1 - منها المعاطاة : فعلى أصل المذهب لا يصح البيع بها ولو اعتيدت ، ولكن النووي قال : المختار الراجح دليلاً الصحة ؛ لأنه لم يصح في الشرع اعتبار لفظ ، فوجب الرجوع إلى العرف كغيره.
2 - ومن أمثلة ذلك : أن يدفع ثوباً إلى خياط ليخيطه ، أو قصار ليقصره ، أو جلس بين يدي حلاق فحلق رأسه ، أو دخل سفينة بإذن وسار إلى الساحل ، فلا يستحقون شيئاً إذا لم يشترط عليهم شيئاً من المال ، وإن جرت عادتهم بالعمل بالأجرة ، والمختار خلافه. ( انظرالقواعد الفقهية وتطبيقاتها في المذاهب الأربعة للدكتور محمد مصطفى الزحيلي).

والحمد لله رب العالمين

===========================================

- فهرس الموضوعات:

- القواعد الفقهية الأساسية للشريعة الإسلامية:

- الأمور بمقاصدها.
- اليقين لا يزول بالشك.
- المشقة تجلب التيسير.
- الضرر يزال.
- العادة محكمة.

- المصادر والمراجع:

- القواعد الفقهية وتطبيقاتها في المذاهب الأربعة لمحمد مصطفى الزحيلي.

- نظرية التقعيد الفقهي واثرها في اختلاف الفقهاء لمحمد الروكي.

- الأشباه والنظائر ، زين الدين بن إبراهيم ، المعروف بابن نجيم الحنفي وبحاشيته (نزهة النواظر) لمحمد أمين بن عمر ، المعروف بابن عابدين.

- الأشباه والنظائر في فروع فقه الشافعية ، جلال الدين عبد الرحمن السيوطي .

- الأشباه والنظائر في النحو ، جلال الدين عبد الرحمن السيوطي.

- الإشراف على مسائل الخلاف ، للقاضي عبد الوهاب البغدادي .

- أعلام الموقعين ، كى الدبن ، أبو عبد الله ، محمد بن أبي بكر ، المعروف بابن تيم الجوزية

- ايضاح القواعد الفقهية ، عبد الله بن سعيد بن عئاد اللحجي الحضرمي .

- ايضاح المسالك إلى قواعد الإمام مالك ، أبو العباس ، أحمد بن يحس الونثريي تحقيق أحمد بوطاهر الخطابي .

- تخريج الفروع على الأصول ، محمود بن أحمد الزنجافي تحقيق الدكتور محمد أديب صالح .

- القواعد الأصولية وتطبيقاتها الفقهية عند ابن قدامة في كتابه المغني للجيلالي المريني.

- الموسوعة الفقهية الكويتية.

- لائحة الأقراص المدمجة:

- مكتبة التفسير شركة العريس للكمبيوتر بيروت لبنان.

- مكتبة التفسير وعلوم القرآن إعداد الخطيب للتسويق والبرامج. الإشراف العلمي: مركز التراث لأبحاث الحاسب الآلي عمان الأردن.

- المكتبة الألفية للسنة النبوية إعداد الخطيب للتسويق والبرامج الإشراف العلمي: مركز التراث لأبحاث الحاسب الآلي عمان الأردن.

- الموسوعة الذهبية للحديث النبوي الشريف وعلومه إعداد الخطيب للتسويق والبرامج، الإشراف العلمي مركز التراث لأبحاث الحاسب الآلي عمان الأردن.

- مكتبة الأجزاء الحديثة إعداد الخطيب للتسويق والبرامج. الإشراف العلمي: مركز التراث لأبحاث الحاسب الآلي عمان الأردن.

- المحدث تصميم وإدارة طلبة دار الحديث النبوي الشريف سابقا " مدرسة" واشنطن أمريكا.

- مكتبة الفقه وأصوله إعداد الخطيب للتسويق والبرامج. الإشراف العلمي: مركز التراث لأبحاث الحاسب الآلي عمان الأردن.

- الفقه وأصوله موسوعة علماء الإسلام الدكتور يوسف القرضاوي المركز الهندسي للأبحاث التطبيقية RDI .

- موسوعة الفقه الإسلامي وأصوله إعداد قسم البرمجة دار الفكر دمشق سوريا.

- مكتبة الفقه الإسلامي شركة العريس للكمبيوتر بيروت. لبنان.

- الموسوعة الميسرة في الفقه وعلومه إنتاج برمجيات ضاد. المملكة العربية السعودية.

- مؤلفات شيـخ الإسلام بن تيمية إعداد الخطيب للتسويق والبرامج الإشراف العلمي مركز التراث لأبحاث الحاسب الآلي عمان الأردن.

- الفتاوى الكبرى لابن تيمية عبد اللطيف للمعلومات.

- مؤلفات العالم الرباني ابن قيم الجوزية إعداد الخطيب للتسويق والبرامج الإشراف العلمي مركز التراث لأبحاث الحاسب الآلي عمان الأردن.

- مكتبة شيـخ الإسلام وتلميذه ابن القيم إعداد الخطيب للتسويق والبرامج الإشراف العلمي: مركز التراث لأبحاث الحاسب الآلي. عمان الأردن.

- العلوم الإسلامية إعداد الخطيب للتسويق والبرامج الإشراف العلمي مركز التراث لأبحاث الحاسب الآلي. عمان الأردن.

- موسوعة طالب العلم الشرعي إعداد الخطيب للتسويق والبرامج الإشراف العلمي مركز التراث لأبحاث الحاسب الآلي عمان الأردن.

- الموسوعة الإسلامية المعاصرة Microteam Software

- مكتبة المعاجم والغريب والمصطلحات إعداد الخطيب للتسويق والبرامج الإشراف العلمي مركز التراث لأبحاث الحاسب الآلي عمان الأردن.

- جامع معاجم اللغة شركة العريس للكمبيوتر بيروت لبنان

- المكتبة الشاملة الإصدار الأول والثاني والتحديث الأخير المبثوثة على شبكة الأنترنيت ws. Cant See Links

وصلى الله وسلم و بارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

Cant See Links
رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع تقييم هذا الموضوع
تقييم هذا الموضوع:

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع



Powered by vBulletin® Version 3.8.4, Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
developed by: IEG